Tuesday, September 4, 2018

كرن ....عَدْ أميركان وأبوي سعيد قاسم



ما أحلاها الطفولة في كرن وما أحلي أيامنا ... لم نحتاج الي سيارة تنقلنا ونحن نتنقل في أحيائها ونتجول في طرقاتها أقدامنا وسيقاننا تحمل أجسادنا النحيلة .. نلعب في حاراتها ما نشاء مع من نشاء لا موانع ولا حواجز .. مدينة صغيرة نستطيع طوافها متي ما كانت الحوجة والضرورة .. أغلب أطفال المدينة يعرفون كل طرقاتها ويكون لهم فيها أماكن خاصة لها طعمٌ ومذاق خاص خصوصا عندما يجدوا بعض القريشات أو بعض البغشيش من هنا وهناك .. كانت هناك أماكن مثل بار إستيفانوس الذي كان يبيع الجلاتو أو قريبا منه وليس ببعيد بار بيامونتي الذي كان يسمي بعد الاستقلال ببار أرقاي وهو الذي كان يلعب مع فريق عنسبا .. بار بيامونتي كانت له آلة أحضرت من إيطاليا تدخل فيها قطعة العشرة سنتيم لتعطيك حلاوة لبان خاص كنا نسميه "بُمْبَا أميركان" مغلف بورق ذو ملمس ناعم كان يستهوينا كثيرا فالحلوة طيبة المزاق وليست كالعلكات (ماستيكا) التي نشتريها بخمسة ملاليم .. البُمْبَا أميركان كانت خاصة وكذلك الغلاف كان خاص .. أوراق التغليف كانت تحمل مادة تعليمية كانت مصدرنا في معرفة جغرافية العالم .. كانت كل علكة تعطي معلومات مفصلة عن بلدٍ معين من بلدان العالم حينها وكنا نتنافس في إقتناء أكبر قدرٍ من هذه الأوراق يعني أكبر قدرٍ من البلدان .. كل ورقة كانت تحمل إسم البلد وعلمه وعملته وعدد سكانه وعاصمته وكذلك موقعه الجغرافي .. أنظر كيف كانت نباغة الصغار حينها وهم يتنافسون في تسمية البلدان وذكر التفاصيل عن البلدان .. كنا نتبادل الأوراق إن تكررت وتشابهت .. البُمْبَا أميركان كانت طعم ومذاق ومعرفة وثقافة .. أما الجلاتو من بار إستيفانوس كان سعره خمسة وعشرون سنتا وكان ذلك مبلغ كبير ويوم تجد ذلك المبلغ فأنت في غمرة من السعادة التي تكتمل بشراء الجلاتو ... إن وجد المال فأماكن صرفه وما يمكن شراؤه كثيرة وخصوصا أذا كانت فقط من فئة الملاليم أو السناتيم فيمكن أن تشتري لِقيمات (زلابيا محلية) أو تشتري "فوفل" وهي حلوة مصنوعة من خليط من الدقيق والسكر بسيطة في الصنع لكنها حالية المذاق ولا تخلص بسرعة حيث يصعب كسرها عكس السمسمية التي تصنع بنفس الطريقة لكن يمكن مضغها ولا تعطيك الوقت الكافي للتذوق كذلك بالملاليم يمكن شراء "البَلَسْ" وهو التين الشوكي حيث كان في موسمه يساوي حبتين بمليم واحد .. ما أحلي وأرخص الحياة وقتها لكن تلك الملاليم كانت صعبة الحصول عليها فيومية العامل لم تكن تتجاوز الخمسين مليماً أو النصف ريال .. وأولئك الذين يحبون شرب اللبن مَطِيقُه وقارِسَهُ كان في متناولهم حيث أذكر أن سعر كأس الحليب المَحْقُونْ البارد كان بمليمين وحليب الإبل المحبب لكثير من الكرنيين كان بخمسة ملاليم .. كان عادة ما تجد حليب الإبل يباع بالقرب من المسجد الكبير بالقرب من دكان حاج تمباك وفي نفس المنطة كُنّ يجلِسن بائعات الكسرة بالإتجاه المقابل في نفس الطريق أي في الزاوية المؤدية الي سوق الخياطين يعني أمام دكان حسن هندي ومقابل دكان أبوي سعيد قاسم .. وهذه الأسماء معالم كرنية فدكان حسن هندي كان أغلب أطفال المدينة يلبسون منه للعيد أو للمناسبات الأخري لقد كانت الاسر تقصده لشراء ملابس العيد وكان الرجل يحظي بإحترام الكرنيين فإما أن تشتري منه قطع الملابس الجاهزة والتي حينها كانت قليلة جدا لغلاء سعرها ولعدم تفضيل المشتريين لها أو تشتري قطة من الملابس الغير مفصلة وتعطيها للخياطيين علي البرندات خارج الدكان وما أكثرهم فكل الشارع من بدايته في تلك الزاوية الي نهايته في شارع قنافو كانت تجلس فيه معالم من الخياطين الكرنيين منهم علي سبيل المثال وليس للحصر العم محمد مية المشهور بالطرفة وسرعة البديهة والعم علي خليل .. الرجل الوقور ذو العلاقات الواسعة وهو صهر أبوي سعيد قاسم الذي سوف نأتي لذكره وكذلك المَرِحْ علي باربا الذي تُحكي عنه كثير من القصص المرحة ومنها انه عندما يكون نهاره قحل جاف لا زبائن فيه يلجأ لحيل ووسائل منها عندما يري زبوناً يحمل قطعة ملابس يصيح فيهم ويلح عليهم بالحضور وعندما يأتوا اليه ينتزع القطعة من أيديهم ويدخل فيها المقاص وبعد أن يبدأ بقطعها يطلب من الزبون سائلا ماذا يريد أن يفصل له من القطعة وعندها ليس امام الزبون أي خيار أخر غير إعطائه القطعة فقد وقع الفأس في الرأس وبدأ في قطع القماش ... كان علي باربا شديد الذكاء قليل الكلام مضحكا في كل ما يقول ويعمل .. كان أيقونة  من أيقونات شارع الخياطين الذي كان عَالَمًا خاصا تدور فيه كثير من التفاصيل اليومية المربوطة بحياة المدينة فهو الشارع الذي يفصل أزياء المدينة خصوصا الحريمي منها وهو الذي علي زوقه تلبس المدينة فتأثيره كان يتجاوز الشارع نفسه ليطغي بتأثيره علي المدينة وتفاصيل حياتها .. كان الشارع مصدر كثير من النكات والقصص التي تبدأ من هناك لتنتشر علي أرجاء المدينة والشارع المنافس له كان شارع الصياغيين الذي كان يعج بقامات أثرت في حياة المدينة من كل النواحي .. فكل من هذين الشارعين يحتاج لكتاب منفصل يخلد مئأثره ويعطي تفاصيل قاماته التي زينت حليهم نساء المدينة وأطرافها .. نعود لشارع الخياطين وفي الركن المقابل لدكان حسن هندي كان دكان أبوي سعيد قاسم الذي لا يمكن أن تتحدث عن شارع الخيطين دون التحدث أو ذكر إسمه رغم أنه لم يكن خياط ولم يبع الملابس رغم وجود دكانه في بوابة شارع الخياطين ورغم أن الخياطين يجلسون علي جانبي مدخل دكانه .. أبوي سعيد قاسم واحد من معالم المدينة ولا يمكن أن تتحدث عن قامات المدينة دون التحدث عنه فيعرفه الكبير والصغير في المدينة كيف لا والمدينة تعتمد عليه في كل الإحتياجات البلدية من توابل ودهون وعطور وأعشاب وكل مستلزمات الطب البلدي الذي كثيرا ما كانت تعتمد المدينة عليه .. كان دكان أبوي سعيد قاسم الصيدلية الطبيعية التي يعتمد عليها السكان في الحصول علي المواد الطبيعية والوصفات التي كان أمثال الشيخ زايد يصفونها للمترددين عليهم .. أبوي سعيد قاسم كانت عنده توجد أجود أنواع العسل والسمن وكثير من المتطلبات اليومية للسكان فكان دكانه مزدحماً طول الوقت وكان الرجل رحمة الله عليه معروف بتواضعه وتواده ورأفته بمساكين المدينة فكان يشفق ويعطف عليهم وكانت تمر بدكانه جموع السائلين في الصباح وأذكر تلك الجموع التي تمر بالصباح علي دكاكين السوق شاهدتهم عندما كانوا يحضرون الي دكان جدي خالد رحمة الله عليه في الصباح الباكر تباعا وكبقية الدكاكين في المدينة يضعون السائل والمحروم في الحسبان .. كنت أحيانا أذهب لأعين جدي في فتح الدكان وتنظيف الواجه وكذلك الداخل وإحضار النار للبخور من قهوة عمر أمان. جموع السائلين تدري جيدا الميقات المناسب لكل دكان .. والمواقيت المناسبة عادة ما تكون بعد الفتح والتنظيف وقبل بدأ الزبائن في القدوم وكما أسلفت فأن دكان أبوي سعيد قاسم من أكثر الدكاكين إكتظاظا بالزبائن لذا يمر السائلين بكيراً لأخذ نصيبهم من مما تجود به يده .. ومحمد برهان من الشغيلة المشهورين الذي إستمر مع أبوي سعيد قاسم لسنين طويلة وكان محمد برهان الذراع اليمني لأبوي سعيد قاسم .. كان خفيف الحركة سريع البديه يعرف موقع كل صنف من البضائع التي في الدكان وما أكثرها وكانت الزبائن تحبه لأنه يمشيهم بسرعة ويَدَه معطاءة ممدودة غير مغلولة كما البعض الأخرين لقد إكتسب محمد برهان شهرة كبيرة وسط الزبائن وكان هو المدير الفعلي للدكان وكان إسمه دائما مرتبطاً ومقرونا بإسم  أبوي سعيد قاسم .. كان الدكان في الزاوية الشمالية الشرقية لشارع الخياطين .. وكان له مدخلان مدخل بكل إتجاه ولا أعتقد أن يكون بالمدينة من لا يعرف دكان أبوي سعيد قاسم .. شارع الخياطين عالم لحاله تجري فيه كثير من الأحاديث والقصص اليومية وربما لا ينعدم من يعطي هذا الشارع حقه من التدويين والتوثيق بالاضافة للشوارع المهمة الأخري كشارع الصياغيين وشارع قنافو و"فرش أكل" وسوق الخضار وسوق بَرَه  وجيرة فيوري وما حواليها من مقاهي تاريخية وأماكن مثل بلاسا ريبا والذي بني لكي يكون سوقا متكاملا مثل المراكز التجارية بمقايس اليوم .. جيرا فيوري هي الساحة المركزية للمدينة والتي شهدت كل الأحداث المهمة في تاريخ المدينة خيرها وشرها.. تعاقب عليها المستعمرون وكلٍ إستخدمها في اللقاءات العامة مع الجماهير وكذلك للإستعراض العسكري وفي إستقبال الشخصيات المهمة التي كانت تزور المدينة من حين لأخر.. و جيرا فيوري ألتي  ما زالت تحتفظ بالإسم وبكونها أهم معلم للمدينة رغم مرور عقود طويلة علي إنشائها لاول مرة في عهد الأيطاليين والذين إعتمدوا التخطيط الدائري الشكل للمدينة وجعلوا جيرا فيوري قلب تلك الدائرة وما زالت المدينة هي كما هي من حيث التخطيط رغم هرم وقدم المنازل .. فلا جديد الا القليل رغم مرور ربع قرن ونيف علي إستقلال البلاد .. وجوكو والمباريات التاريخية التي شهدها ليس ذلك فحسب بل أيضا كل المناسبات الدينية والأجتماعية والتثقيفية التي كانت تقام في الجوكو وأذكر جيدا المناسبات الأحتفالية التي كانت تقام عند نهاية كل عام داراسي وكانت المدينة بأثرها تحضر تلك الأحتفالات التي كانت تتسم بروعة التنظيم حيث كانت تحتوي علي المنافسات الرياضية بأغلب أنوعها وكذلك المنافسات الفنية والأدبية ... جوكو كان المركز الثقافي والرياضي والإجتماعي للمدينه فبالأضافة لصلوات الأعياد كانت أيضا تقام عليه الداميرة وهي نار تقام في أعياد رأس السنة القبطية (قدوس يوهانس) كذلك كانت تعرض فيه الأفلام التثقيفية أذكر واحدة من تلك الأفلام التي حضرتها كانت عن الملاريا والوقاية من الباعوض وفي الجوكو كنا نتعلم ونحن صغارا قيادة الدراجات وفي الجوكو كانت كثير من المشاكل المستعصية تجد حلا من خلال حلقات المجالس الأهلية التي كانت تقام تحت شجرة الجميز الباسقة الأقصان الظليلة الوارفة ..كانت تلك الحلقات تمثل تجمعا لرجالات القبائل والأعيان تجمعهم قضيةٍ ما فيأتون لحلها في ذلك المكتب الطبيعي علي الهواء الطلق الذي لا تحتاج لحجزه أو دفع رسوم إستخدامه .. حق مباح ومشروع للكل ألاحقية فيه للأسبق  .. كان مكانا مناسبا للكل من حيث التهيأة والموقع والسعة وقد قدم علي مر السينين هذه الخدمات الي أن أتت أناس لا تعنيها حل القضايا بالتراضي ومن خلال الجهد الشعبي دون الوصول الي السلطات .. لا يعنيهم العرف والتقاليد النبيلة .. لا يعنيهم تواد الناس وتراحمهم وحل أمورهم بذات البين وباللتي هي أحسن .. لا تهمهم كل تلك الأشياء وغيرها ما عدي ما تراه عقولهم الصغيرة فقاموا بقطع تلك الشجرة ولا يدرون بقطعها أنما يقطعون عرف وتقليد حميد إمتدت لسنين طويلة تحت تلك الشجرة .. لَيتَهُمْ يدرون سُوءَ ما فعلوأ.. والي جانب كل تلك الأماكن هناك أماكن أخري تؤثر في حياة الناس اليومية سلبا أو إيجابا وتعتبر معلم من معالم المدينة مثل فورتو الجاسم علي صدر المدينة معطيا لها مظهرها الخلاب ورغم جمال فورتو الا إنه إرتبط في أذهان الناس بالسطوة والجبروت والخوف والترويع لما كانت تحدث فيه من عمليات تنكيل وتعذيب في سجنه خلال أيام الإستعمار الأثيوبي وهناك محطة السكة حديد التي كانت تنبض الحياة فيها وتعج بالحركة بين قطارات قادمة من المرتفعات وأخري قادمة من المنخفضات تودع وتستقبل كذلك قاطرة "اللترينة" السريعة التي كانت تقل الركاب فقط وتأتي يوميا من أسمرة متجه الي أغردات وكل ذلك اصبح اليوم من الذكريات حيث لا قطارات تأتي ولا قطارات تروح ولا لترينة يومية تخدم الركاب من مصوع لأغردات .. خدمات كانت يومية في عهد الأستعمار أما في عهد الأستقلال فحدث ولا حرج فقد صارت محطة السكة حديد موقف للبصات يعني علينا أن نمحو من ذكرتنا بأن هناك كانت قطارات تمر يوميا من هذه المحطة .. ربع قرن ونيف مضي علي الأستقلال ولا حتي بصيص من الأمل علي أن تجري تلك القطارات مثل ما كانت عليه سابقا ولا نقل أفضل مما كانت عليه رغم أن الحلم مباح .. ومن محطة القطارات وغير بعيد عنها نأتي الي محطتين للتوقف عندهم .. الأولي محطة "كونيل" لتوليد الكهرباء وكنا نسميها "عَدْ بَرَدْ" لا أدري لماذا وصوت المحرك تسمعه المدينة كلها والبرج العالي تتدفق منه المياه للتبريد كان منظره جميل والمياه تتدفق منه بتواصل غير منقطع كان ذلك يعطي المكان رونقا وجاذبية خاصة يُرْغِمك علي التوقف كان ذلك منظري المفضل وأنا أمر من هناك كنت أقف مشدوها بمنظر المياه المتدفقة بإستمرار ورغم صوت المولد العالي الا أن أذني كانت تنتقي صوت خرير المياه وهي تنحدر من ذلك العلو لتتدفق مدرارا ومدرارا تداخل جميل بين الصوت والمشهد .. وليس ببعيد من هناك وعلي بعد خطوات من "كونيل" كان "قراند هوتيل" والذي كنا نسميه "عَدْ أمِريكان" نسبة لتواجد الامريكان فيه ... كان للمبني بوابتان أمامية وخلفية ونادرا ما تري البوابات مفتوحة كان دائما ينتابنا الفضول لنري ما يجري داخل تلك الاسوار المغلقة دائما وكأنه ليس بالمكان حياة لكن عندما تصعد المبني العالي وتري ما في الداخل تفجأ بعالم مختلف لم نعهده تماما حدائق ومسبح وملعب قولف وملعب تنس عالم مختلف ويجول بك الحلم والخيال حتي تصطادك عيون أحد الشغيلة وتسمع "ورد .. أتي ود خلبي ورد" أي أنزل أنزل وأنت تعمل مطنش وكأنك لم تراه وهو يزيد الصياح ويبحث عن حجر وعندها وقبل أن يجد الحجر تكون قد نزلت وأسدلت الستار علي عالم الحلم والخيال المغلق خلف تلك الأسوار.. كنا صغارا لا ندري شيئا غير أن بداخل هذا المبني أمريكان يقيمون هنا وفقط .. كنا نراهم أحيانا يتجولون بداخل المدينة خصوصا شارع الصياغين الذي كان دائما قبلة الزوار الأولي لخصوصيته حيث تصاغ كل الحلي محليا وحينها لم تكن الحلي المستوردة تعرف طريقها الي ذلك السوق كانو صاغة مهرة يجيدون صنع أجمل الحلي وكانت تجذب الأروبيين والأمريكان لأقتناء بعضٍ منها ... كنا نتجول معهم عندما نراهم في الطرقات يتجولون .. كانوا يدرون بأننا شعب مسالم ودود لطيف مع الزوار الأجانب .. كانوا أحيانا يأتون بالدراجات النارية للتسابق في أطراف المدينة خصوصا في مدراجات مزارع الصبار (قادم عيغي أو قادم جينو) يتسابقون ويَمْرَحون ويقضون أمتع الأوقات وكما قلت كنا صغارا لا ندري أسباب تواجدهم .. ومرت الأيام وكبرت الصغار وصرنا ندري أسباب تواجدهم حيث كانوا يتبعون لمركز الإتصالات العسكرية في أسمرا (كانيو إستيشن) وكان لهم محطتين للترفيه والأستجمام واحدة علي البحر الأحمر بمدينة مصوع والأخري بالداخل في مدينة كرن وكلتا المحطتين كانتا تتمتعان بكل وسائل الترفيه العصرية وكانت تعطيهم الخيار بين البحر والداخل في وسط البلاد .. لقد سنحت لي الفرصة وأنا في أزض الشتات أن أشاهد صورٍ التقطت من الموقعين وكانت فعلا جزء من الخيال بالنسبة لنا المواطنين المحليين شتان ما بين عالمنا وعالمهم فقد أحضروا أمريكا ونمط العيش في أمريكا الي مواقعهم في المدن الثلاثة كرن وأسمرا ومصوع .. والعمال المحلين كانوا أقرب الناس لتقليدهم من خلال معايشتهم اليومية أما نحن فكنا نتسلق الاسوار لنحظي بمشهد أو مشهدين قبل أن يأتيك صاروخ حجري طائر من العمال المحليين ومرة من المرات التي كنت أتسلق لاشاهد كان أحد الرجال الأمريكان يلعب القولف وكان لوحدة وكنت أتابعه يضرب بعصاه الحديدة الكرة الصغيرة البيضاء وينتقل من حفرة لأخري وفي مرة من المرات ضرب الكرة وتجاوزت السور لتسقط بخارج المبني علي الشارع العام وكنت لحظتها أظن بأنه سوف ينساها ويأتي بكُرةٍ أخري لكنه كان متابعا للكرة وعرف بالتقريب مكان سقوطها وأتي خارج السور وذهب بالتحديد لموقع الكرة ليلتقطها من هناك وكانت دهشتي شديدة لمعرفته بمكان الكرة لقد نزلت من السور بعد أن صاح علي العامل قبل أن يفتح له الباب للخروج وهو لم يبدي أي رد فعل علي تصرف العامل الذي إعتادوا عليه ... عَدْ أمريكان كان عالم عجيب وفريد بالنسبة لنا لكن كان لهم في المدينة مساحة من حسن التعامل وطيب المعشروكانت دفعات تأتي ودفعات تعود الي أسمرا دون أن يتعرض لهم أحد بسوء بل عكس ذلك كانت الناس تحبهم وتتعامل معهم بلطف وإحترام وأدب وكانو يبادلون الشعب نفس الأحساس حتي إن أحدهم عاد الي إرتريا وبالتحديد الي كرن ليقيم مدرسة لليتامي والمعوزين وكانت المدرسة تعرف بمدرسة مستر هيو حيث ساعدت علي تربية وتعليم كثير من أبناء اليتامي ولاحقا صارت مؤسسة خيرية لها فروع في بلدان شرق إفريقيا وتعرف بإسم مؤسسة لالمبا نسبة لجبل لالمبا الشامخ وهو أعلي جبال كرن ...
    
                                                                                                      

Friday, January 12, 2018

A Tale of Two Years


Year 2017 was wrapping up to leave its current place in the domain of time for Year 2018, before it left, Year 2017 had to communicate and convey some messages to Year 2018. Here is how the conversation went:
“Oh sis, it was so painful to see and witness what humans were doing to one another. It was painful to witness how old men in different parts of the world were chained to their seats of power; they didn’t want to give their place to another. Many of my other sisters witnessed the same old men who never wanted to let someone other than themselves rule and govern, especially in the continent of Africa. Can you believe it. For instance, in Angola, the man called De Santos ruled during the life of 40 of my older sisters, until they forced him to leave his place for his defense minister, not only that but in a country, not far from there called Zimbabwe, where one old man was glued to the seat of power during the life of 36 of my elder sisters. They witnessed his crumbling regime taking the country and the people of Zimbabwe down the drain. I’m the only one to see him be removed and forced out of that power seat. Similar case in Libya, Gambia and Senegal, during a guy called Abdullahi Wad.  Another guy in a country called Uganda wants to remain in power for life, like most of the African leaders, but the worst is in Eritrea. Where the ruler not only wanted to remain in power but also wants to dismantle the country, and for those who have a problem with that he built many and many prisons more than the number of schools and hospitals combined. His main goal is to kill and force the youth to flee the country making out of them the second largest refugee population seeking asylum in Europe after Syrians. A whole generation is being lost, either to war with neighbors, or forced labor or through imprisonment or through forcing them to flee out of the country to exile. Eritrean youth have no future in the country. When anyone finishes 11th grade they will be taken to the military base in Sawa to do the national undetermined forced labor. Once they reach to Sawa they discover the shocking reality. They discover that they were being robbed of their future, of their dreams, of their dignity and humanity in general. They discover that the regime wants only to destroy them as a way to destroy the country by depriving it from a whole generation. They discover that the system is being built in a very refined way to break their sprit and to make them give in to the new reality. They know what that means, so they start to either resist and end up in inhumane prisons that are built to de-humanize human beings or to flee across the border to either Sudan or Ethiopia and in the process, many lose their lives by getting shot by the security forces of the regime who are under order to shoot down any fleeing person. Some eventually make it across thinking that it is a safe haven but it is just the starting of a new phase of a different cycle in their long journey of torture and miseries. When they cross the border fleeing for their safety some fall in the hands of human traffickers which means that they become a commodity in the hands of the traffickers, they can sell them to other trafficking groups or they buy out their own freedom by paying a ransom amount of money or engaging their relatives to help paying the ransom.  The luckiest ones end up in refugee camps in either Sudan or Ethiopia from where another phase of their sad journey starts, knowing that they did not sacrificed their life by crossing the border just to be sitting down in refugee camps which don’t provide the minimum of anything they are just like concentration camps. They might wait for a few weeks before they start to hit the road for the Sahara Desert aiming towards Libya and for that they require a lot of logistical preparation but still some don’t make it, and for so many different reasons, either the car will break down or they run out of water or they get lost in the desert or they simply get stuck or for many other reasons. As for those who make it to Libya they need to start for the next phase of their journey by getting more logistical help from their relatives in Europe or somewhere else. During that time, some fall into the hands of the different rival armed groups and again they are exposed to human traffickers who want to sell them or simply try to make money out of them. Again, only some who are the luckiest ones will make it to the boats to start their journey across the Mediterranean Sea to Southern Europe during which some don’t make it for so many reasons either the boat would be very old or would be overcrowded or would get capsized because of other reasons. Many will not make it across to Europe, thousands every year and the number keeps growing. For those who make it to Europe, they have to deal with a new type of struggle, a struggle with resettling themselves in the new societies, it begins with so many new challenges. Challenge of language and communication, challenge of getting proper accommodation, challenge of weather and challenge of health especially overcoming the trauma of their long journey and whatever happen during. It is a real challenge to overcome the suffering and the agonies of their journey starting from Sawa to Europe. Everyone who went through that journey is a victim of some sort or lost something on it, either their life or part of their own self or their mind or arriving and crossing the sea but ending up being totally traumatized. No one is a winner in that journey the journey of terror, the journey of different phases and cycles of terror, they escape one to fall into other.

Oh, sis, it is sad to witness the suffering of those young men and women. I hope during your life time you will see the end of the one who is causing their pain and suffering.”          

Sunday, December 31, 2017

قبل أن نطوي أخر صفحات عام 2017


تعالو نجرد حساباتنا قبل أن تُطوي الصفحة الاخيرة من العام نجرد ما لنا وما علينا .. ما كسبنا وما جنينا .. مأ أخذ وأنتظع منا وما رُد وأُعْطِيَ إلينا .. تعالوا نراجع محصلة عامنا قبل أن يزيحه العام الجديد .. نتحدث عنه وهو حاضر قبل أن يغيب .. وقبل أن يسدل الستار عنه ويمضي في ثباتٍ عميق .. تعالو نبحث عن ذواتنا عن من كانوا معنا خلال هذا العام تملأهم الأحلام .. كانوا إما يدرسون أو يعملون أو وأو وأو .. كانو معنا بخيالهم بعقولهم بأجسادهم فالنراجع إن كانوا ما زالو معنا .. نراجع ذواتنا ونراجع .. أيام كثيرة مرت وأمور كثيرة مرت ومياه كثير من تحت الكباري جرت فالحياة لا تدري التوقف وعقارب الساعة لا تدري التوقف وأحلام الشعوب لا تدري التوقف فالكثير والكثير يمر كل يوم بل كل ساعة والكثير والكثير يتغير والأطفال تكبر والشيوخ تهرم وتكبر وفي وسط هذه الدواليك علينا بالجرد ما لنا وما علينا فالهَمُ والهَمُ دائما منصبٌ ومركزٌ لما يجري في البيت وبيتنا قد إهترأت جدارنه وإنكشفت أحواله .. وتبعثرت ثرواته وماله وتبخرت أماله والطاغية مازال جاثمٌ علي صدره .. الطاغية ما زال متربصاً بشبابه .. أجيال وراء أجيال دفعات وراء دفعات (زوريا وراء زوريا كما يقال بلغة ساوا) ومازلنا نخاف عليهم أن يغتالهم الطاغوت وإن لم يقتلهم كذلك يقتالهم وبين القتل والإقتيال تختلف الوسيلة .. طاغوت جاسم فوق صدره ينتزع كل صغاره قبل أن يولدو وبعد الولادة قبل أن يرضعوا وبعد الرضاعة ينتزعهم إنتزاعاً .. طاغوت جاثم علي صدره يمنع الأطفال من الرضاعة .. كل شيئ خربة والحياة صعبة والحلم ممنوع ... ممنوع عليك الحلم قبل أن تغادر كما غادر أخوتك .. ممنوع عليك الحلم حتي ولو أكملت الزوريا في ساوا فلن يشفع لك ذلك ما دمت صغيرا وما دام عقلك يستطيع أن يحلم فالحلم قلنا ممنوع ممنوع .. من يُقْبض عليه متلبسا بالحلم فمصيره القتل أو يلغي به تحت الأرض ولا تدري به حتي الأرض لأنه لم يُسَلَمَ للأرض ميتا فيحسب في تعدادهم فليس من الأحياء ولا من الأموات .. طاغوت يزرع في الأرض خرابا ونجني كل عامٍ خرابا .. طاغوت إنتزغ منا الحلم الكبير الذي إستغرقنا ثلاثون عاما في صناعته ثلاثون عاما وحلمنا في المخاض والكل ينتظر للحلم أن يري الصباح ... ثلاثون عاماً ونبني في الأمال العراض في الأمال الكبيرة ونقول بعد الأستقلال سوف تكون إرتريا سنغافور إفريقيا أو دبي القرن الإفريقي والأحلام والأمال تكبر في عقولنا وصرنا ننسج كل ما هو متاح ومباح وكل ما هو دون ذلك ... إكتمل الحِمْلُ ثلاثون عاما وظننا بان المولود سوف يُقْبِلُ راكضا ويولد بأسنانه وقادرا علي الحديث والمقارعة .. ظننا بأن الحمل الثلاثيني سوف يكفينا شر وويلات ما عانت منه كثير من الدول الإفريقية بل وما زالت تعاني منه حتي اليوم .. ظننا بأن الحمل الثلاثيني سوف يدفع عنا كل أوزار وأتعاب الرضاعة .. فالرضاعة فقط للأطفال ذو التسعة أشهر .. أجسادهم ضعيفة وعظامهم لينة ... ظننا جزافاً بأننا إكتسبنا المناعة والقوة ونحن قادرون علي الوقوف لوحدنا دون مساعدة ودعم .. ظننا إننا قادرون علي السباحة عكس التيار .. تَعَشْعَشَتْ الأحلام في رؤوسنا حتي أتي يوم المخاض العسير وأتي الجنين لكنه دون أسنان ويحتاج الرضاعة بل والعناية المكثفة حيث كان قليل المناعة لم تكفه الثلاثون عاما في بطن الأم الوطن لم تكفه الثلاثون عاما والشعب قدم كل ما يملك بل حتي أكثر مما يملك ... ثلاثون عاما والمخاض دون المستوي ... ثلاثون عاما وولد الجنين يعاني ويكابد وخفنا أن لا يموت قبل أن يكبر فقد أُفْتُرِيَ علينا وضحكوا علي عقولنا بعد أن زرعوا في نضالنا ما زرعوا وإخترقوا ثورتنا إختراقاً وحصدنا الريح حصاداً .. وحصدنا جنينا لا يستطيع الوقوف حتي بعد ستة وعشرون عاما من الميلاد ولننسي الثلاثون عاما من الحِمِلْ .. زرعوا فينا هذا المعتوه ليجعل البلاد ركاما حطاما ويقلب عاليها سافلها وصرنا نبكي ونتحسر علي ما بناه الايطاليين قبل أكثر من ثمانية عقود صرنا نتحسر علي الأمال العراض ونتحسر علي سنغافور إفريقيا ونتحسر علي المناعة المزعومة ضد أمراض السلطة في وأمراض الكرسي الإفريقي .. صرنا نتحسر علي الكثير والكثير خصوصا علي أرواح الشباب المهدرة .. حصادنا ثقيل من الخَيْبَات المتراكمة والأدهي والأمر بأن لا يكون لدينا حلاً متوقعا في الأفق القريب فرغم إفلاس النظام الا أن الأفلاس عم المعارضة أيضا فالمرحلة قاتمة والحل يكمن في شعب الداخل الذي يكتوي ليل نهار بنار هذا الجائر المعتوه .. الشعب والجيش هم صمام الأمان في الوقت المناسب ... إن كان هذا حالنا في إرتريا فحال المنطقة بشكل أوسع ليس بأحسن من حالنا فهاهم إخوتنا في اليمن السعيد صاروا يعيشون أسوأ مأساة يمكن لشعبٍ أن يعيشها في الوقت الراهن .. ثلاثون عاما تحت نظام ظالم إنهار بالبلاد والعباد وحتي بنفسه وقال قولة شمسون عليَ وعلي أعدائي... وهاهم الديكتاتوريات لا يفكرون بالشعوب فيحطموا ويحرقوا كل شيئ ثم يطالهم الحريق فيُحَطَمُون ويُحْرَقُون لكن بعد أيتها ثمن .. لقد دفع اليمنيون جميعا الثمن ودفعت البلاد الثمن وأُعيدوا الي مربع الطائفية البغضاء .. هاهي نتائج الغطرسة والتسلط علي رقاب الشعوب .. هاهي نتائج خنق الشعوب من التنفس الحر .. من التنفس كما تريد وتنصيب من تريد .. اليوم تستنشق رائحة البارود نهار مساء وليل وصباح .. تستنشق رائحة الأتربة والغبار المتعالي من القذائف .. تنمي ثقافة الحروب والبأساء ثقافة التقتيل والترهيب والتنكيل فالكل خاسر والكل فاقد والكل يشرب من كأس المرارة والبؤس والمعانة لا منتصر ولا مهزوم لا غالب ولا مغلوب وإنما اليمن العزيز يكون غير سعيد واليمن العزيز يكون تليد وأسير الحرب الضروس والتي سوف تقضي علي اليابس والأخضر وحال اليمن ينطبق علي أوضاع المنطقة بأثرها فها هو حال ليبيا وقد صارت أشلاءٌ تحكمها المليشيات وأمراء الحرب يعيسون في الارض الفساد ويزرعون في الأرض الخراب ويعسفوا بالبلاد والعباد وهاهم جموع الشباب الذي ظل يستخدم ليبيا للمرور الي جنوب أروبا صاروا لقمة صائغة في أيدي هؤلاء المجرميين من أمراء الحرب قادة المليشيات يَسْتَرِقُوهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا يسترقوهم ويستعبدوهم ... جموع من المغلوبة أمرهم أراد بهم الغدر أن يمروا بليبيا في هذا العصر المنحط والذي إنحطت فيه قيمة الأنسان بفعل وأفاعيل الديكتاتوريات التي أرغمتهم علي الهروب والوقوع في براثن هؤلاء المليشات الذين يتاجرون بهم بلا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية لا رادعٌ ديني ولا أخلاقي .. لقد رفعت عنهم كل القيم وإستباحوا كل المحاذيروالمحرامات ... ليبيا تئن وسوف تظل تئن تحت وطأة هؤلاء المليشات ما دام مصالح بعض الدول تقتضي ذلك ومدام مصالح أمراء الحرب تقتضي الفوضي وعدم الاستقرار وسوف يظل الشباب من دول القرن الإفريقي ومن بقية أجزاء إفريقيا يتوافدون اليها كمعبر وكبوابة الي الشمال عبر البحر الأبيض .. زمن تعيس تتواصل فيه حلقات التفريق والترهيب والتنكيل والإسترقاق والقارة العجوز أروبا ظاهرها غير راضٍ وباطنها يقول هل من مزيد .. لقد شاخت وهرمت وإنقطع النسل وقلت نسبة الشباب وعليهم بضخ المزيد من الدماء الشابة في هذه المجتمعات حتي يتواصل الإنتاج وتتواصل المعاشات خصوصا للمسنين وما أكثرهم ... لقد قَلَتْ نسبة الأنجاب وصارت كثير من القري لا يقطنها الأ المسنين ولقد هجرهم أبناؤهم الي المدن الكبيري وهم الأن في أمس الحوجة لأن يتواصل معاشهم وتتواصل الخدمات اليهم ... حلقات من وسائل التفريق متصلة ببعضعا لمن يري ويبصر .. حلقات يدعم بعضها بعضاً وتعتمد علي بعضها البعض وتدفع ثمنها الشعوب والبلاد. نطوي الصفحة الاخيرة من صفحات هذا العام  وحالنا يقول يا عام عشت أيامك بين ظهرانين يوم بعد يوم ولم ينقص من وقتك شيئ لكن نقصت من أمورنا أشياء وأشياء كثيرة فمازالت إرتريا كما هي دون حل وحلقات المأساة في تمديد وتمديد ومازال اليمن غير سعيد وما زال السودان دون تجديد ومصر من وعيد الي وعيد وليبيا مليشيات وضياع دون تحديد وأرض العراق والشام في تمجيد للطائفية وتمجيد .. يا ليتك يا عام أتيت وفي ثناياك حاملا حلول لمنطقتنا حلولٍ لقضايانا ولما تراكم من مصائبنا .. يا ليتك يا عامٌ كنت قادرا علي أن ترد البسمة الي شفاه الصغار وأن تعيد الأمل الي عقول الكبار .. ياليتك ياعام كنت قادرا علي أن لا تُمَرِغ أُنوف اليمنين في التراب فنفسهم أبية ولا ترضي المهانة من الجيران ونفسهم عفيفة لا تقبل الفتات عطاءاً ولا تقبل الفتات مكرمة .. يتضورون جوعا كي لا يسألوأ إلحافاً .. يتضورون جوعا ولا تمتد أيديهم سؤالاً .. تفتك الأمراض بنفسوهم النحيلة لكن رؤسهم شامخة كجبالهم لا تطأطئ لاحد الا للواحد الأحد الفرد الصمد .. ربي إرفع عن اليمنيين فهم أهل برٍ وخير هم أهل عزةٍ وشموخ .. ياليتك يا عام كفيتنا شرِ هذا البلية الذي جسم علي صدورنا لأعوام طويلة ليتك أرحتنا شره وجنبتنا مكائده ... إن بلادنا صارت لا تحتمل فقد فُرِغَتْ من الشباب تفريغا وعذب فيها الشِيبُ تعذيباً وخرب الإقتصاد تخريباً .. ليتك يا عامٌ رددت المظالم للمظلومين في المنطقة وأريتنا في الظالمين عجباً عجبا ... فالنطوي أخر صفحاتك ونأمل في العام الجديد أن تتحقق الأماني ويسود الربوع السلام ويعم العدل والوئام ...             


Saturday, December 16, 2017

شيخٌ وطاغية


طاغية إعتلي فوق الجماجم والرفاة إعتلي .. إعتلي فوق الأشلاء والأجساد إعتلي .. إعتلي فوق الجثث والحطام إعتلي .. إعتلي فوق كرامة الأنسان فوق إنسانية الأنسان إعتلي .. إعتلي فوق العادات والتقاليد والأديان إعتلي .. إعتلي فوق حلم الصغار فوق أمل الكبار إعتلي .. إعتلي وأدمن الإعتلاء والتعالي .. أدمن الترفع والتباهي .. أدمن التبجح والإزدراء إستمرأ المنصب وصار لا يطيق أن يتخيل غيره في المنصب وكأن المنصب خلق ووجد من أجله وكأنه هو خُلِقَ لهذا المنصب ولا لغيرٍ سواه .. كاد كل المكائد وحبك كل الألاعيب حتي لا يقترب سواه من المنصب .. منعول أبو المنصب الذي من أجله تبعثرت الأشلاء ومن أجله سكبت الدماء ومن أجله سُكِلَتْ النساء ويُتِمَ الأطفال .. ومن أجله بكين الأمهات لأبناءٍ غادروا ولم ولن يعودوا أبداً .. غادروا وسوف لن تراهم البلاد أبداً .. سوف لن يكون منهم مهندسي ودكاترة المستقبل سوف لن يكون منهم معلمي ومربيي المستقبل لقد قضي عليهم الطاغية وحرم البلاد من الأستفادة من خبرات وكفاءات ومهارات جيل كامل .. لقد حرم البلاد ليكون لها جيل من المبرزين والمتفوقين في كل المجالات حرم البلاد لتكون منارة  يستدل بها في كل المجالات بعد أن كانت منارة وطليعة في الأستماته من أجل الإستقلال الوطني بعد أن إفتدتها كل القوميات وإختلط دمهم جميعا من أجل التحرر والإستقلال الوطني .. لقد إمتزجت دماء كل الأديان والأعراق والأجناس .. فدتها كل النفوس بالغالي وهي لا تدري بأن الطاغية في الإنتظار .. الطاغية الذي يري الناس صغارا حتي ولو كانوا كباراً فالجميع في عينيه صغاراً .. الجميع في عينيه أدوات لتكريس السلطة أدوات لإبعاد المنافسين أدوات لزرع البغضاء أدوات للتطبيل وزرع الفتن ما ظهر منها وما بطن.. الطاغية منذ أيام الثورة سعي للتفتيت ولم يسعي يوما للتأطير ولم الشمل ووحدة الصف فرق ليسود أولاً ثم ساد وذاد الناس تفريقا .. كان يوقع إتفاقيات الوحدة مع الجبهة الواحدة تلو الأخري وكان يدري جيدا بأنها حبرٌ علي ورق وسوف لن تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه .. كان يدري جيدا بأنه يهدر في الطاقات ويبعثر في زخم الوحدة ويبني كوما من العثرات وركاما من الإخفاقات حتي يفقد الناس الأمل في وحدة الصف والمصير حتي يفقد الناس الأمل في جمع وتمتين عناصر الوحد مقومات الوحدة ومسببات الوحدة .. أراد تحطيم ذلك الأمل الحلم حتي لا تقوي شوكة الوطن ونحن ما زلنا في صناعته وما زلنا في الكفاح من أجل إستقلال ترابه .. أراد هذا الطاغية وزعيم العصابة الغير ميمونه منذ أن أنشأ "سلفي ناسنت" بعثرة جهد النضال وتمزيق الصف الوطني وتمرير أجندته وأجندة من أرسلوه الواحدة تلو الأخري .. وكثير من الوثائق قد برهنت ذلك .. في كل مرحلة يلعب ويستغل روح الوطنية والإخلاص عند المناضلين الشرفاء ويستخدمهم لتدمير الوطنيين المخلصين ممن حوله .. فأغلب من إلتحق بالشعبية لم يلتحقوا لخدمة الطاغية وإنما إلتحقوا لخدمة وتحرير أرض الوطن وهو ظل علي مدي السنين مستغلا لتلك الروح ولاعبا أحيانٍ أخري علي أوتار الدين كما فعلها أول مرة عندما إنفصل عن الجبهة وفي مراحلة أخري لاحقة .. روحه الخسيسة جعلته دائما يتحين الفرص للتخلص من الوطنيين الشرفاء .. الوطنيين الذين يدري بأنهم إن إستفاقوا له جعلوه إربًا إربًا لكنه يتقدي بهم قبل أن يتعشوا به هكذا وفي كل المراحل مستخدما من هم أقل خبرة ليزيح من هم أكثر خبرةٍ ودراية .. مستخدما من هم أقل تعليما ليزيح من هم من خيرة المتعلمين المستنيرين .. يستخدم الذين لُطِخَتْ أياديهم ليزيح بهم الشرفاء وهكذا مستخدما كل الوسائل.         
أن الدين لا يمكن أن يكون الوتر الذي بإمكان النظام العصابة العزف عليه دوما.. لقد تقطعت الأوتار من كثرة العزف عليها وتوقفت الأغاني التي تغني بها طويلاً وتكسرت الاسطوانات التي أدارها عن كُرْهٍ وبِكُرْهٍ ومن أجل مكروهٍ... هذا النظام الذي لم يجعل يوماً رغبات الشعب نصب عينيه ولم تكن مصالح الجماهير همه وإهتمامه إنما توطيد سلطانه وتكريس سطوته وتمريق أنوف المواطنين الشرفاء حتي يخيف بهم الغير ويضرب بهم المثل في جبروته وسطوته وتمرير أجندة من يعمل من أجلهم .. إنه من المؤكد لا يعمل من الأجل الوطن أو المواطن فهذه قد سبتت علي مر السنين ... لقد أذل حتي المقربين منه كانوا أحياءأ أو أمواتا .. فالأحياء رمي بهم في غياهب سجونه وتحت حفره بعد أن إستخدمهم وإمتطي فوق ظهورهم .. أما الأموات رفض حتي معاملتهم كأموات .. فالميت في كل بلدان العالم يُكَرَم بحسن دفنه أما رئيس العصابة الحاكمة فيُحرِم دفن جثتة في أرض الوطن حتي ولو كانت  لأحدٍ من المقربين الطائعين أصحاب الولاء الشامل والكامل فقط لخلافٍ صغير وهم يحتسون سويا لخلاف صغير وهم يلعبون سويا.. عصابةٌ يتقلص تعدادها كل يوم وزعيمهم يرمي بهم في السجون .. وبعضهم يفر بجلده وتراهم يهومون في دروب المهجر يهومون.. تراهم في محطات المنافي علي أبواب اللجوء يطرقون ولدروب المهجر يسلكون .. دروبٍ سلكها قبلهم المعذبون بطشا والمضطهدون ظلما والمغلوبون علي أمرهم المغلوبون .. المغلوبون من هؤلاء الزبانية .. المغلوبون من هؤلاء الجلادين واليوم عندما أتي دورهم يهربون .. الباطش واحد والمبطوشون جميعا .. الظالم واحد والمظلومين كل الناس في الوطن .. يدير الدائرة علي كل أفراد العصابة الواحد تلو الأخر وليس فيهم من يتعظ ويعي بأن الدور لا محال آتٍ اليه .. دائرة تِلْوَ أخري يطويهم طياً ويلتهمهم إلتهاما وليس من يطويه ويلتهمه إلتهاما .. برِع في الدسائس وكيد المكائد لقدماء أصحابه ولمعارضيه علي السواء لكن لا محال هناك يومٌ لا يفر منه فراً ولا يفلت منه إفلاتاً .. لا محال يومه قد دني وآن أوانه وهو في غمرةٍ عن أمره .. لقد طالت المعاناة كل البيوت كل المعابد كل المسالك .. لقد بلغت الروح الحناجر ولا مفر من يومه الذي يراه بعيدا وهو قد دني .. طاغية يتفنن في تعذيب شعبه لا يهمه إن إلتهمت الصحاري الآلاف منهم وعظامهم مشتتةٌ في كل وادي .. لا يهمه إن إبتلعت البحار الألاف المؤلفة من الهاربين مِنْ عَصْفِه وبطشه لا يهمه إن أصبحوا غذاءاً وطعاماً للصحاري وللذئاب والحيتان .. لا يهمه إن تشردوا من وطنهم بعد أن ضحي أباؤهم وأجدادهم .. طاغية وكمثل كل الطغاة تعصفهم ريحٌ عاتية تقتلعهم من جزورهم ولا تبقي فيهم باقية لا يدرون وأيامهم قريبةٌ دانية .. لم يتعظ ممن مروا قبله من الطغاة .. لا يحترم الصغير ولا يوقر الكبير يزج بهم في السجون زجاً .. لا يترك أطفال المدارس ولا من تجاوز التسعين .. طاغية كل همه في سلطانه .. ففي التعذيب الناس سواسية وفي الترهيب الناس سواسية وفي التشريد الناس سواسية وفي القتل الناس سواسية أما في الحقوق فهو فقط الذي له الحق ولا غير سواه .. هو العبقري والمدرك لكل صغائر الأمور ولا دون سواه .. إن قراءة التاريخ تلهمنا وتخبرنا بما جري ويجري لمثل هؤلاء والتاريخ لا يرحم فأين هم أصدقاؤه القدامي وهو أدري بذلك ويعلم علم اليقين ما آلوا اليه أم يظن أنه يختلف عنهم .. لا وألف لا فهو من نفس شاكلة من خانوا شعوبهم وأذاقو شعوبهم الويلات تعذيبا وترهيبا وبطشا شديدا .. إنها مسألة وقتٍ وحسب والأيام سوف تدور وسوف يأتي ذلك اليوم الذي يندم فيه وعندها لا تنفعه الحصون ولا جيوش من الحراس ولا ينفعه الندم .. كل ذلك مرحلي والي مضض وسوف يمضي مثل غيره من الفراعنة الطغاة .. لم يحترم كبارات المجتع من المسنين والشيوخ أبناء الثمانينات والتسعينيات يرمي ويزج بهم في السجون أليس له أب شيخ أوعم شيخ أو خال شيخ أوحتي قريب شيخ مسن أو حتي عزيز مسن ليدري سوءة وشناعة ذلك أم أنه عديم الإحساس والإنسانية ليعذب المسنين والشيوخ ... حتي أولائك الذين تفانوا في خدمته عندما هربوا منه تاركين سلطانه ووزارته لم يتركهم وشأنهم في المنافي بل زج بأبنائهم وأبائهم في السجون حتي وإن كان ممن تجاوزوا الثمانيين من العمر وذلك ليس لأي جرم إرتكبه الشيخ الثمانيني وإنما جرمه الوحيد لأن إبنه كان من رجالات البلاط وترك البلاط الي المنافي .. لم يغفر للشيخ الثمانيني مرضه ولا وضعه الصحي بل ظل في غياهب السجن سنين حتي وإن دنت ساعته أخرجه وما هي الا وأيام حتي وفارق الشيخ الثمانيني الحياة .. إن أرواح هؤلاء من المؤكد لن ولن تضيع هدرا وتروح سُدي .. نسي وتناسي بأن البطش لا يولد الأ العزيمة والإصرار .. لا يولد الأ الإيمان بالحق وصاحب الحق وإن طال الوقت دائما في إنتصار والباطش دائما في إنكسار وإندحار .. فلا تيأس أيها الشعب الأبي فليل الظلم وإن طال فلا محال من الإنكسار ونهار الحرية وإن تأخر فلا محال من الإنتصار.         


Sunday, September 17, 2017

كرن وشارع شفشفيت


محطات ثلاثة طبعت بألوانها عالمي الصغير .. عالمي الخالي من التكنلوجيا .. الخالي من التلفونات الذكية ولا غير الذكية .. لم يكن عندنا لا كهرباء ولا تلفون في البيت ولا حتي مياه جارية في حنفية ولا غير حنفية .. نرد الماء من أماكن بعيدة أولا ثم بدأت تقترب رويدا رويدا تلك الأماكن .. الجردل الذي كان يصل البيت نصفه فارق من كثرة التدفق في الطريق صار يصل ممتلئ الأ قليلا .. حياتنا البسيطة التي لم يكن فيها لا ألعاب الكترونية  ولا ألعاب كمبيوتر ولا حتي التلفاز لم يكن متوفرا حتي في عالم الحلم والخيال ناهيك من عالم الواقع .. حتي الراديو (الترانزيستر) كان محصورا علي أسر قليلة تعد بالاصابع .. كل هذه التقنيات التي تعد اليوم من المسلمات في أي مكان..  كانت اما لم تطل علينا أو لم تكن فد اخترعت بعد لكن رغم ذلك كان لنا عالمنا المليئ بالالعاب التي تبنيها أيدينا وتخترعها عقولنا الصغيرة فالبنات كنَ يصنعن عرائسهن من القصب ويزينهن باجمل قطع الملابس وألاولاد كنا نصنع كرة القدم من بقايا الملابس القديمة والشرابات (الجوارب) ونتنافس في أي كرة أحسن صنعا وأيها أجدر بالأختيار للعب .. كنا نصنع السيارات من السلوك المعدنية ونضع لها الأيطارات أما المقود فطوله طول قامة الطفل يسوق سيارته وهو يمشي أحيانا أو يركض أحيانا أخري .. وكنا نسطنع الصوت ليجاري السيارة الحقيقية وهي تذيد في السرعة أو تبطئ في السرعة وأحيانا الفرملة المفاجأة وما أحلاها الفرملة عندما يكون خلفك أثنين أو ثلاثة من الأقران فيحدث التراطم والتدافع .. كنا كذلك كنا نستخدم الأطار الحديدي للعجلات "عنكليل" وندفعها بقطعة من الخشب أوالحديد لتتسارع ونركض خلفها .. عادة ما تستخدم "العنكليل" عندما ترسل الي الدكان "الحانوت" لشراء بعض الأغراض الخفيفة.
اللعب لم يكن هو الأوحد الذي كان يملا أوقاتنا بل كانت الخلوة والمدرسة وشارع شفشفيت من أهم المحطات التي طغت بألوانها عالمي الصغير .. كنا نداوم في الصباح في خلوة الشيخ محمد عمر عندما كان يقرئ في دار أخيه القاضي محمد أدريساي ,, وكانت تقع علي قمة الربوة "عَرِيب" فوق الحي .. ومن هناك تطل وتري كل شيئ تحتك الطرقات والبيوت وحتي الناس وهي متحركة خصوصاً شارع شفشفيت والذي كان عامراً بالمشاة قادمين من منطقة جوفة أو بقو أو أدربة وهي أحياء طرفية تقع بضواحي المدينة وكان طريق شفشفيت طريقهم الأقرب الي وسط المدينة وكثيراً ما كانت تجري المعاملات التجارية في الطريق وهم لم يصلوا بعد الي المدينة حيث تنتظرهم الناس في الطرقات لشراء الأغراض .. منهم من يأتي بالدجاج للبيع ومنهم من تراه سائقاً نعجة أوسخلاً وأحيانا يجرهم جرْ ومنهم من تراه حاملاً سلةٍ من الخضار للبيع .. نجلس في الخلوة واللوح في أيدينا وعيوننا تحملق في البعد غائصة في عالم شارع شفشفيت "السوق المتحرك" تتفاعل مع أحداثة ولا يعيدك منها الا صوت شيخ محمد عمر الجهور "يلا يا ولد .. لوحك رأي .. يلا قرأ" أي أنظر الي لوحك وأقرأ وهو يدري ما يثير انتباهنا ويجذب أهتمامنا .. شارع شفشفيت كان عالماً لحاله مثيراً للانتباه .. كان رواده في الصباح الباكر تملأهم العزيمة تشعر ذلك في مشياتهم المتسارعة رغم الحمل الذي تئن منه أجسادهم .. كلٍ متطلع الي بيع ما يحمل لشراء ما يبتغي ويحتاج .. أما رواد ما بعد الظهيرة هي نفسها تلك الوجوه التي شاهدتها في الصباح وهي مثقلة بما اشترت من أغراضٍ وأمتعة .. أما رواد المساء أي قبل المغرب فهم من نوغٍ وشاكلة مختلفة تماماً فهم أولئك الذين مروا بالصبح ولا يحملون شيئا غير العصي والثوب المحمول علي الكتف .. يمرون في الصباح وتراهم أناسٍ عاديين لا يختلفون من البقية في شيئ عدا أن ليس ليهم حمل ولا دابةٍ يبيعونها تراهم ينزلون الي السوق في الصباح للبحث عن عملٍ وهم في العادة عمال يومية أما في المساء فهم في حالةٍ أخري بعد أن احتسوا من الخمور البلدية (ميس وسوا) بما كسبوا من نهار عملهم .. رغم الثمالة فأن وعيهم مدركً جيدا لوقت العودة الي المنزل والا فسوف يكون مصيرهم الضرب والسجن عندما يحين وقت حظر التجول الذي كان وقتها الساعة السادسة مساءاَ تراهم يتسارعون في العودة الي ديارهم .. بعضهم يغني وبعضهم يتحدث لوحده وبعضهم يكاد يخبط الأرض من شدة فقدان التوازن لكن مع ذلك مدركون للوقت ومدركون للوصول قبل خروج "الطور" الي الشوارع  ..     

كنا من خلوة الشيخ محمد عمر ومن تلك الربوة العالية نتواصل مع ما يجري من حراك في شارع شفشيت ونري النساء يخرجن الي الشارع ليشترين بعض احتياجاتهن من هؤلاء قبل أن يصلوا ببضاعتهم الي السوق .. هناك من تود أن تشتري خضاراَ أو سمناَ وهكذا ونحن نتابع من الربوة وكل شيئ كان يجري بشكل طبيعي  الي أن أتي ذلك اليوم الذي رمي فيه خالي الأصغر والذي هو بعمري رمي الشيخ بحجر بعض أن ضربه الشيخ بشكل مبرح ثم أطلق العنان هاربا في اتجاه السوق وخلفه جريا أثنين من الكبار وأذكر موسي كان واحدا من الأثنين .. انطلقوا خلفه للأتيان به لكن هيهات حيث كان أسرع منهم  يسابق الريح لأنقاذ نفسه فأن قبض عليه تكون الطامة الكبري لذلك فالسرعة بسرعتين الي أن وصل الي دكان الجد في السوق وهكذا انقذ نفسه من عقاب مُحتم .. ثم رفض العودة الي خلوة الشيخ محمد عمر وبسسبب ذلك انتقلنا أنا وهو الي خلوة كانت في ورشة "كراج" شركة ستاي للنقل في طريق المدرسة الثانوية وحيث المشوار كان بعيدا من منازلنا مما أتاح لنا فرص للعب أكثر في طريق الذهاب والعودة لكني كنت غير مرتاحٍ لهذا التغير .. لقد افتقدت عالم شارع شفشفيت وما كان يعني ذلك لي من العيش مع المارة من علي الربوة .. كان ذلك الجو يجعلني أعيش معهم .. أتسارع مع خطاهم وهم يسرعون المشي في الصباح .. أئن لثقلهم وهم يحملون أغراضهم للسوق .. أفرح عندما يبيعون ويحسبون في الفلوس فقد تخلصوا من الحمل ولو الي حين ..لقد أفتقدت ذلك الجو وأفتقدت الأفق من تحتي أري الحي وحركة سكانه .. الأن نحن في كراج مقلق لا تري فيه الا ذلك البص القديم الذي أحضر للصيانة لكنه ربما لا يصلح حتي للصيانة فتًرك في الكراج الي أن يقرر في مصيره

Tuesday, August 29, 2017

الدلاليك والحولية وعبي عبدالله


الناس في مدن المنخفضات كانت تجيد المدأئح بل تبدع فيها وكان لكل مدينة مبدعيها في المديح فالشيخ طاهر كان علي رأس مبدعي المديح في كرن كما كانت هناك قممٌ أخري أمثال الخليفة الفكي أحمد عبد الله أطال الله في عمره وهو والد الأخ العزيز عبد الفتاح فكي أحمد وأخيه المرحوم عباس الفكي أحمد صديق الصبي منذ أيام خلوة الشيخ محمد عمر حيث كنا أنا وهو والاخ زين العابدين محمد علي عمر شيخ أقران نجلس سويًا عندما يُمْلِي علينا الشيخ محمد عمر في الصباح وكنا في سور متقاربة وكنا نلعب أوراق "البُمْبَا أميريكان" وتتلخص في جمع أكبر كمية من الأوراق التي تلف عليها العلكات (اللبان الامريكي) وكانت ذات قيمة تعليمية كبيرة حيث كل ورقة كانت تحمل معلومات متكاملة عن بلد معين مثل علم البلاد, العملة المستخدمة, اللغة, عدد السكان, العاصمة ومساحة البلاد مع خريطة توضح موقع البلاد .. كنا نتنافس بعدد البلدان التي بحوزة كل منا وبمعرفة تلك البلدان عن ظهر قلب .. كان تنافسا جميلاً علمنا الكثير ونحن صغاراً علمنا عواصم العالم وعدد سكان البلدان عرفنا جغرافية العالم قبل أن نتوزع في العالم ونسكن قاراته المختلفة يا لها من لعبة تستحق الأشادة ورحم الله عباس الذي وافته المنية في السويد وبارك الله في أعمار من تبقي منا وفي زرياتنا .. كان معنا في ذلك الوقت مجموعة كبيرة من الأخوة والأخوات أذكر منهم الاخ إدريس محمد علي عمرشيخ اللذي كان يوفق بين المدرسة والخلوة, يونس إبراهيم, عافة محمود, محمد محمود إدريساي, وكثيرين من أبناء حينا والأحياء المجاورة .. وكان للمديح أيامه وأوقاته بالاضافة الي أيام الحوليات .. كانت ايام المولد النبوي الشريف والليالي التي تسبق المولد تقام فيها المدائح وكذلك في ألأعراس .. كانت الناس تحب المدائح وكانت أكثر شيئ تتناغمه الأفواه وخصوصاً عند الرجال .. الطرب المدائحي الذي يغور بالنفس ويسموا بها الي علياء الأندماج الروحي والجسدي علياءٌ تدركها في الشيخ طاهر نحيف الجسد قوي الحنجرة وهو يتمايل كأنه النسيم يلامس الأغصان وهو يؤدي بحر الصفي .. صوتٌ قوي لا تتخيله يخرج من ذلك البدن النحيف لكنه يخرج مجلجلاً هادرا كأنه شلال ٌ ليطغي علي بقية الأصوات .. صوتٌ تدركه كرن جيدا وخصوصاً من عاصر زمانه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي .. كذلك الخليفة أحمد الذي كان يقود كل المناسبات الدينية وخصوصاً تلك التي تقام في دار أل بكري "عد سيدي بكري" وذلك الحوش الكبير الذي يكون في المناسبات الدينية مستقطب الكرنيين من كل الأعراق والأجناس وحلقات المدائح كانت تقام عادةً في الفسحة أمام الضريح وتقرع الطبول "الجباجيب" والطبول لم تكن للجباجيب وحده بل وكانت تقام الليالي الساهرات من كل أنواع الطرب من السعسعيتْ والدلوكة والمرقدي وكذلك السُومِيَتْ .. خلال ايام الحوليات كانت الناس تتقاطر افرادٍ وجماعات كلٍ له مقصده .. هناك من يأتي للطرب والترويح خصوصا الشباب وهناك من يأتي لشراء الحلويات من حلاوة سلة وسمسمية وغيرها مما تجود به أيدي المصوعيين القادمين خصيصا لبيع الحلويات بالاضافة الي المهام الأجتماعية الاخري فالروابط الاجتماعية بين المدينتين كانت أكثر من عامرة  .. وهناك من يأتي من بعيد خصوصا أهل بركة حاملين الهدايا وتري جمالهم بَارِكَاتْ في الدار الواسعة... لقد كان موسم الحولية موسم ينتظره الجميع وتدور حوله الكثير من القصص وتتناقل الألسن فيه الكثير من النكات إما من الكرنيين علي المصوعيين أو العكس .. قيل أن واحدا من ألكرنيين تخاصم مع أحد المصوعيين وبعد صدام وعراك فصل بينهم أهل الخير وراح كلٍ في طريقه وبعد مرور وقت علي الخصام التقيا مجددا في إحدي الطرقات فلما تعرف الكرني علي المصوعي قفز ليتشاجر معه مجددا فقال المصوعي مخاطبا الكرني "ياهو ميتو كنترات مسليك" أي إن خصامنا كان لمرة واحدة وليس كنترات من الخصام .. أهل مصوع أهل سلم وسلام وأهل  ثقافة ووئام  وأهل مرح وفكاهة لا تخلوا حياتهم العادية من الطرفة البريئة كذلك أهل كرن لكن من طراز أخر فلكلٍ خصاله .. ألمصوعيين لا يحبون الخصام والعراك الا ما كان منها لزاما وإضطرارا وهذا كان مبعث تنكيت الكرنيين بهم أما المصوعيين فكانت نكاتهم علي الكرنيين كثيرة .. قيل أن مجموعة من الشباب الكرني كانوا في مصوع لحولية سيدي هاشم وكان الجو ساخنا لدرجة لا تطاق فإشتري هؤلاء الشباب بطيخة وجلسوا يأكلونها والغَرَقْ يتصبب من جبينهم من شدة السخانة فمربهم مصوعي ورءاهم والعرق يتصبب ولحظتها قابل مصوعي أخر كان يمر كذلك فقال له "حميد مِهل أخبار" أي ما هي الأخبار يا حميد .. فرد عليه قائلا "غربية زَلِمْ هَليتْ" أي ان أمطاراً تهطل بالمنطقة الغربية ويعني بذلك ان الكرنيين يتصَبَبُون عرقاً ويضحك علي وضعهم هكذا كان المرح والفرح دواليك بين كرن ومصوع والحوليات كانت وعاءاً يحتضن الكم الثقافي الهائل بين المدينتين مع ما يتداخله من روابط ووشائج أسرية .. أيام الحولية تري فيها العجائب العجاب .. منها الضرب بالخراميج (الصياط) في الدلوكة ومن الذين يشهد لهم في ذلك المرحوم فرج طَلِيمْ أبو المرحوم إدريس فرج لاعب فريق عنسبا وكذلك المرحوم محمد علي ملي صديق الوالد والذي عمل لفترة بشركة أنكودة للحوم بشمال كرن قبل أن يتركها مريضا وطريح الفراش لمدة طويلة كذلك عثمان حيلا الذي كان كثيرا ما يتورط في الدخول في الحلبة ثم يصعب عليه الخروج منها بعد أن تشتد عليه الصياط وتقل منه درجة التحمل وتتدخل النفوس الطيبة لإنقاذ الموقف ويا ليته إنتهي عند ذلك بل يتكرر المشهد في اليوم التالي عندما يكون الإنفعال سيد الموقف مجددا وعندما تتعالي زغاريد النساء مع كل ضربة خرماج وصمود الاخرين أمامها .. كذلك كان هناك خميس من سودان طَبَابْ ذو القامة الفارعة والبنية العريضة وكان شِريباً عربيداً يحب المزاح وكان يسوق عربة الحجارة التي كانت تأتي بالحجارة من أطراف المدينة لتستخدم في البناء فالمدينة لم تكن بعد تستخدم الخرصانة مع الحديد في البناء بل كانت تستخدم المواد المحلية من طوب وأحجار مكسرة من الجبال حول المدينة ومادة الجير للربط مثله مثل الأسمنت .. كان خميس عملاقا يخيف من يبارزه في حلبة الخرماج وقليلون من ينازلون خميس .. الدلاليك والجباجيب والمدائح والسلة وطمبارة سودان طباب وعَبِي عبدالله "حُوِي بَارِهْ بِلَايُو" .. أذكر كيف كانت البنات يستدرجن الفنان عبي عبد الله علي الغناء بتكرار عبارة "حُوي بارِهْ بِلايُو .. حوي باره بلايو" مع إيقاع خفيف من الكبَرُو والعبارة يتغنين بها البنات قائلات يا أخي يا صاحب الثوب الناصع وهي للاستدراج  ثم يدخل عبي عبدالله الحلقة متوسطاً إياها متكئاً علي عصاه صادحاً دون تكلف بأغانيه التي كاننت دائما جزءاً من الواقع وتحمل أسماءاً حقيقية لاناس حقيقين وأماكن في المدينة كان عندما يصدح بأغنانيه  الشهيرة يرتقي مستوي الطرب وتعانق النفوس الثريا مؤججاً الحماس ورافعاً الحس الوطني .. عبي كان يعرف كيف يخلط بين كل أنواع الأغاني كان يدرك متي يغني لمعشوقته حيث كان يبدأ بالغزل  وأغاني وَدْ أمِيرْ وكَماجَنة ثم عندما يتأخر الليل ويخلو المكان من أعين الحكومة والجواسيس عندها يبدأ غناؤه الثوري وأشعاره المُلهبة للحماس والداعية للألتحاق بالجبهة والجبهة وحدها هي الثورة الإرترية حينها .. عَبِي رفع من سقف ومستوي الأغنية في النصف الثاني من الستينيات والسبعينيات .. أغاني عبي مفتوحة الجانبين يبدأ الأغنية حيث ما أراد ويختمها حيث ما أراد ويضيف مقاطع جديدة كلما أراد ومثال لذلك أغنيته المشهورة "قِلْ تِتْهَديتُو إتْ معشورا وهِتا سامْعَتْ يَهَليتْ أَسُؤُلا" أي سوف تتزوج في عاشوراء وهي لم تسمع بعد فأخبروها .. وفيها يقول "إنَاسْ تَبْعَتْ دُولْ وَلَتْ أنْسَيتْ فَتِي .. دَبِرْ يِلَعَرِقْ ومَحَازْ يِلِتْعَدي .. لؤُوكْ أَنِسْ قَبِي زُونْ زُونْ وَدي" أي عندما يحب شاباً فتاةٍ لا يستطيع صعود جبلٍ  ولا عبور نهرٍ يكون هائما كمرسال النساء .. كل مرة أستمع فيها لعبي يغني تلك الأغنية إلا وأضاف عليها مقاطعْ جديدة وهكذا لا تمل في سماع عبي مُجَدِداً لقديمه شادياً بحديثه غير مثقلٍ ولا مملٍ في غنائه.. عبي كان ذلك السحر الذي يضاف علي الحولية ليجعل من لياليها وأماسيها شلالاتٍ من الطرب والأبداع قد حباه الله بملكة التأليف والأداء والإرتجال كل ذلك في آنٍ واحد .. تتساقط الكلمات متناسقة متناقمة دررٍ فوق بعضها البعض من المعاني والزوق الرفيع .. إنسيابٌ طبيعي متواصل غير منقطع لا في المعني ولا في النغمة يتدفق منه عذباً سلساً   .. عبي عبدالله كان أيقونة الحولية وكان محبوب الجماهير الكرنية .. كُلُ هذه الأنشطة مَنْ مِنا يتوقع أن تكون جزءاً من مناسبة دينية .. الحولية كانت سبباً لتُقِيمَ كرن مهرجانها الثقافي السنوي الذي يحضره المسيحي والمسلم كما كانت ماريام دعاريت سببا للمهرجان السنوي الثاني للمدينة وبحجة وسبب أخر تتخذه المدينة لتقيم مهرجاناتها .. أهل كرن وبطبعهم المائل للمرح واللعب لا تنقصهم الأسباب والزرائع لاقامة مهرجاناتهم من حولية وماريام دعاريت .. تتعدد الأسباب والهدف واحد .. مهرجانات تعطي المدينة خصوصيتها وتفردها من المدن الأخري.


Monday, August 21, 2017

كم في اللوح وديمو ديموتا


همومنا كانت علي قدر أعمارنا .. كل شيئ بسيط, سهل وميسر .. لا تعقيد في الحياة فعدم وجود الكهرباء لم يكن الأ فرصة للأبداع في ابتكار ما يملأ وقتنا .. كثيرة هي الأنشطة التي كانت تملأ فراغنا .. فالي جانب كرة القدم كانت "الشاكو" والتي يطلق عليها في أمريكا بلعبة البيزبول .. كانت لعبة مشهورة ومنتشرة عندنا وكانت محببة لدي كثيرا حيث كنت أجيدها وأتقن قوانينها .. وأذكر ذلك الصباح الذي كان فيه الملعب الرئيسي للمدينة (جوكو) ممتلئا بالمشاهدين واللعيبة وهم ليسوا أطفالا صغارا كما تعودت ولم يكونو لعيبة كرة القدم الذين تعودنا علي مشاهدتهم دائما في الملعب وانما لعيبة من طراز ونوع أخر .. كانوا لعيبة أمريكين يلعبون "الشاكو" أي لعبة البيز بول لقد قدمو من القاعدة الأمريكية المتواجدة بأسمرة .. لقد كانت المرة الأولي التي أشاهد فيها الكبار يلعبون "الشاكو" وكان ظني انها لعبة للصغار فقط .. لكني رأيتهم يضربون الكرة بالعصاة ويجرون كما نجري نحو نقاط التوقف الثلاثة أو يكملون الدائرة كما نكمل ونسميها "جيرة" وهم يسموها "هوم رن" .. رأيتهم يجرون ليمسكوا الكرة "قب" كما كنا نفعل .. لقد أعجبني أن أري الكبار هم اللعيبة وأن أكون من المتفرجين وأن أدرك بأننا لسنا لوحدنا من يجيد ويلعب هذه اللعبة بل حتي الأمريكان يجيدونها ويلعبونها وهي لعبة دولية تمارس في بقاع شتي من العالم... ولا أدري أن كان صغار اليوم يمارسونها كما كنا نمارسها أم اندثرت في زحمة بقية الأهتمامات ..
كذلك كنا نلعب لعبة "السالباتي" وهي كلمة أيطالية تعني الخلاص .. لقد كانت لعبتي المفضلة عندما لا أجد من يلعب معي "الشاكو" .. لعبة "السالباتي" كانت تعتمد علي الجري وتخليص من هم في البيت "الحبس" .. لقد كنا نجري القرعة في من يكون عليه الدور ليركض خلف بقية الصغار للقبض عليهم وايداعهم الحبس وذلك بلمسهم وعلي من تم لمسه بالذهاب الي الحبس والأنتظار حتي يأتي واحدا ممن لم  يقبض عليهم ليخلصة وهو يصيح بكلمة (السالباتي) .. ويواصل من عليه الدور بالقبض علي بقية المجموعة واحدا تلو الأخر حتي يكمل القبض عليهم جميعا وهكذا تكتمل وتتواصل بأختيار شخص أخر .. لقد كانت متعبة جدا للذي عليه الركض والبحث والقبض .. كانت تملأ جزء كبير من وقت الفراغ وتعلمنا التخطيط والصبر وأهمية العمل الجماعي في تخليص المقبوض عليهم كذلك كانت تقوي أجسادنا بالركض المتواصل لكي لا يتم القبض علينا وكذلك لتخليص المقبوض عليهم.
كما كنا نلعب لعبة "من ضربك" .. وكانت تتلخص في أن ننقسم الي مجموعتين الأولي تلعب دور الخيالة والثانية تؤدي دور الخيل وكنا نقف في شكل دائري والخيالة علي ظهور الخيل ونضع حجرين في وسط الدائرة .. كان علي الخيالة تغطية عيون من يلعبون دور االخيل .. وينزل واحد من الخيالة ويقرع الحجرين ببعضهم البعض وهذا يمثابة التنبيه ثم يتقدم ليقرع رأس أحد المغطية عيونهم ثم يعود من حيث أتي الي موقعه ليمتطي ظهر من يحمله بهدوء تام لكي لا يلفت أنتباه من قرع رأسه .. وبعد أن يستوي علي موقعه يفتح الخيالة الأعين وبصوت واحد يصيحون علي المقروع رأسه سائلين وبصوت عالي "من ضربك" .. وهنا يأتي دور المضروب في تحديد الضارب وله ثلاثة فرص .. ان أتي بالأجابة الصحيحة تنقلب الأدوار ويصبحون خيالة أو فرسان وان لم يأتي بالأجابة الصحيحة يخسر فريقة وتتواصل اللعبة دون تغيير الادوار وهكذ ويالها من لعبة مسلية وممتعة كانت تتواصل حتي غروب الشمس أو نسمع أذان المغرب وعندها فلا خيار بل الذهاب الي المنزل ..
كما كنا نلعب لعبة "كم في اللوح" وهذه الألعاب تبدوا ذو أصول عربية لما هناك من التسمية والكلمات المتداولة والمتبادلة فيها .. كنا نقتسم الي مجموعتين وحكم .. كان علي الحكم ان يرسم خطين علي الأرض الاول للوقوف والثاني علي بعد مسافة بعيدة من الأول حيث يكتب علي الأرض رقما ويصيح الحكم سائلا أفراد المجموعة الاولي وبصوت عالي "مستعدين" ليردوا وبصوت عالي "بابور حطين" أي جاهزون للأنطلاق كقطارات الحديد .. وهنا يسأل السائل للأول في المجموعة الأولي " كم في اللوح" فأن أخطأ قيل له "كذبا كاذب" ويوجه السؤال للثاني فالثالث فإن أجاب قيل له ولمجموعته "شدو وأركب" وهنا يقفظ أفراد المجموعة الأولي علي ظهور المجموعة الثانية ممتطين ظهورهم الي أن يصلوا الي مكان الخط الذي عليه الرقم ثم تتبادل المجموعتين الأدوار.. وكذلك ان لم يأتو بالأجابة الصحيحة تتبادل المجموعتين الأدوار وتتواصل لعبة  " كم في اللوح"  ذات الأصول العربية .. كانت لعبة محببة لدي الجميع لما لها من متعة وتشويق ..
أما في الأمسيات وعلي ضوء القمر كنا نلعب ألعاب مختلفة من لعبة "مسمار ولا حلقة" وعادة كانت علي الظهر فيسأل السائل خصمه "مسمار ولا حلقة" أما قابضا يده أو فاردا أصبعه الكبري فئن كانت الأجابة صحيحة يتبادلون الأدوار وان كانت الأجابة خاطئة يضرب خصمه قائلا "دقو الفلقة" وهكذا تتواصل اللعبة حتي يحين وقت النوم ونذهب للنوم ..
كذلك كنا نصطف جالسين باسطين أقدامنا لنلعب "ديمو ديموتا" وعادة الأكبر فينا هو الذي يقولها مارا بيده علي الأقدام المبسوطة والمصطفة حتي يرسي علي واحدة من الأقدام عند نهاية الْ "ديمو ديموتا" ثم يعاد الكرة وتخرج رجل أخري وكذلك تتواصل حتي تبقي رجلٌ واحدة وصاحبها هو الخاسر في اللعبة .. وعبارات "ديمو ديموتا" لا أعرف مصدرها ولا معانيها التي تبدو علي أنها خليط من البلين والتقرايت وعبارات أخري لا أدري مصدرها اللغوي وكنا نكررها ونحن نلعب حتي حفظناها عن ظهر قلب .. وهكذا كانت نقول عباراتها "ديمُو ديموتا .. ديمو ديمو نوري .. نوري بسكوتي بسكو بسكو كردي .. كردي سنا دي سنا سنا  لينا .. لينا غسلينا غسلي غسل لكي .. لكي جبركي حليب يستيكي .. يما حجج هليكو .. تمنيتْ تمنيني .. تابوبْي تنان مرحتي" .. وكنا نلعبها عادة في الختام قبل النوم وبين الصغار من أفراد الأسرة الواحدة لانها كانت تأتي قبل وقت الحكايات والقصص التي هي من أمتع أوقاتنا ففيها يسرح الخيال وتتفنن الحاكية في سرد الحكاية بشكل ممتع وخالاتي كنا يبدعنا في سرد الحكايات لنا قبل النوم وكان التشويق في السرد عاليا وراقيا يحفظك للأنتظار لليوم التالي لسماع المزيد .. وعلي حسب ظني هكذا تناقلت الأجيال وراء الأجيال الحكايات والقصص والأمثال وصرنا شعبا شفهيا .. نجيد في النقل الشفهي ولا ندون .. وما دون كان عبر كتاب أجانب أمثال اللإيطاليين أو الإنجليز وذلك لان ثقافتهم يطغو عليها التدوين والتوثيق.