Sunday, September 17, 2017

كرن وشارع شفشفيت


محطات ثلاثة طبعت بألوانها عالمي الصغير .. عالمي الخالي من التكنلوجيا .. الخالي من التلفونات الذكية ولا غير الذكية .. لم يكن عندنا لا كهرباء ولا تلفون في البيت ولا حتي مياه جارية في حنفية ولا غير حنفية .. نرد الماء من أماكن بعيدة أولا ثم بدأت تقترب رويدا رويدا تلك الأماكن .. الجردل الذي كان يصل البيت نصفه فارق من كثرة التدفق في الطريق صار يصل ممتلئ الأ قليلا .. حياتنا البسيطة التي لم يكن فيها لا ألعاب الكترونية  ولا ألعاب كمبيوتر ولا حتي التلفاز لم يكن متوفرا حتي في عالم الحلم والخيال ناهيك من عالم الواقع .. حتي الراديو (الترانزيستر) كان محصورا علي أسر قليلة تعد بالاصابع .. كل هذه التقنيات التي تعد اليوم من المسلمات في أي مكان..  كانت اما لم تطل علينا أو لم تكن فد اخترعت بعد لكن رغم ذلك كان لنا عالمنا المليئ بالالعاب التي تبنيها أيدينا وتخترعها عقولنا الصغيرة فالبنات كنَ يصنعن عرائسهن من القصب ويزينهن باجمل قطع الملابس وألاولاد كنا نصنع كرة القدم من بقايا الملابس القديمة والشرابات (الجوارب) ونتنافس في أي كرة أحسن صنعا وأيها أجدر بالأختيار للعب .. كنا نصنع السيارات من السلوك المعدنية ونضع لها الأيطارات أما المقود فطوله طول قامة الطفل يسوق سيارته وهو يمشي أحيانا أو يركض أحيانا أخري .. وكنا نسطنع الصوت ليجاري السيارة الحقيقية وهي تذيد في السرعة أو تبطئ في السرعة وأحيانا الفرملة المفاجأة وما أحلاها الفرملة عندما يكون خلفك أثنين أو ثلاثة من الأقران فيحدث التراطم والتدافع .. كنا كذلك كنا نستخدم الأطار الحديدي للعجلات "عنكليل" وندفعها بقطعة من الخشب أوالحديد لتتسارع ونركض خلفها .. عادة ما تستخدم "العنكليل" عندما ترسل الي الدكان "الحانوت" لشراء بعض الأغراض الخفيفة.
اللعب لم يكن هو الأوحد الذي كان يملا أوقاتنا بل كانت الخلوة والمدرسة وشارع شفشفيت من أهم المحطات التي طغت بألوانها عالمي الصغير .. كنا نداوم في الصباح في خلوة الشيخ محمد عمر عندما كان يقرئ في دار أخيه القاضي محمد أدريساي ,, وكانت تقع علي قمة الربوة "عَرِيب" فوق الحي .. ومن هناك تطل وتري كل شيئ تحتك الطرقات والبيوت وحتي الناس وهي متحركة خصوصاً شارع شفشفيت والذي كان عامراً بالمشاة قادمين من منطقة جوفة أو بقو أو أدربة وهي أحياء طرفية تقع بضواحي المدينة وكان طريق شفشفيت طريقهم الأقرب الي وسط المدينة وكثيراً ما كانت تجري المعاملات التجارية في الطريق وهم لم يصلوا بعد الي المدينة حيث تنتظرهم الناس في الطرقات لشراء الأغراض .. منهم من يأتي بالدجاج للبيع ومنهم من تراه سائقاً نعجة أوسخلاً وأحيانا يجرهم جرْ ومنهم من تراه حاملاً سلةٍ من الخضار للبيع .. نجلس في الخلوة واللوح في أيدينا وعيوننا تحملق في البعد غائصة في عالم شارع شفشفيت "السوق المتحرك" تتفاعل مع أحداثة ولا يعيدك منها الا صوت شيخ محمد عمر الجهور "يلا يا ولد .. لوحك رأي .. يلا قرأ" أي أنظر الي لوحك وأقرأ وهو يدري ما يثير انتباهنا ويجذب أهتمامنا .. شارع شفشفيت كان عالماً لحاله مثيراً للانتباه .. كان رواده في الصباح الباكر تملأهم العزيمة تشعر ذلك في مشياتهم المتسارعة رغم الحمل الذي تئن منه أجسادهم .. كلٍ متطلع الي بيع ما يحمل لشراء ما يبتغي ويحتاج .. أما رواد ما بعد الظهيرة هي نفسها تلك الوجوه التي شاهدتها في الصباح وهي مثقلة بما اشترت من أغراضٍ وأمتعة .. أما رواد المساء أي قبل المغرب فهم من نوغٍ وشاكلة مختلفة تماماً فهم أولئك الذين مروا بالصبح ولا يحملون شيئا غير العصي والثوب المحمول علي الكتف .. يمرون في الصباح وتراهم أناسٍ عاديين لا يختلفون من البقية في شيئ عدا أن ليس ليهم حمل ولا دابةٍ يبيعونها تراهم ينزلون الي السوق في الصباح للبحث عن عملٍ وهم في العادة عمال يومية أما في المساء فهم في حالةٍ أخري بعد أن احتسوا من الخمور البلدية (ميس وسوا) بما كسبوا من نهار عملهم .. رغم الثمالة فأن وعيهم مدركً جيدا لوقت العودة الي المنزل والا فسوف يكون مصيرهم الضرب والسجن عندما يحين وقت حظر التجول الذي كان وقتها الساعة السادسة مساءاَ تراهم يتسارعون في العودة الي ديارهم .. بعضهم يغني وبعضهم يتحدث لوحده وبعضهم يكاد يخبط الأرض من شدة فقدان التوازن لكن مع ذلك مدركون للوقت ومدركون للوصول قبل خروج "الطور" الي الشوارع  ..     

كنا من خلوة الشيخ محمد عمر ومن تلك الربوة العالية نتواصل مع ما يجري من حراك في شارع شفشيت ونري النساء يخرجن الي الشارع ليشترين بعض احتياجاتهن من هؤلاء قبل أن يصلوا ببضاعتهم الي السوق .. هناك من تود أن تشتري خضاراَ أو سمناَ وهكذا ونحن نتابع من الربوة وكل شيئ كان يجري بشكل طبيعي  الي أن أتي ذلك اليوم الذي رمي فيه خالي الأصغر والذي هو بعمري رمي الشيخ بحجر بعض أن ضربه الشيخ بشكل مبرح ثم أطلق العنان هاربا في اتجاه السوق وخلفه جريا أثنين من الكبار وأذكر موسي كان واحدا من الأثنين .. انطلقوا خلفه للأتيان به لكن هيهات حيث كان أسرع منهم  يسابق الريح لأنقاذ نفسه فأن قبض عليه تكون الطامة الكبري لذلك فالسرعة بسرعتين الي أن وصل الي دكان الجد في السوق وهكذا انقذ نفسه من عقاب مُحتم .. ثم رفض العودة الي خلوة الشيخ محمد عمر وبسسبب ذلك انتقلنا أنا وهو الي خلوة كانت في ورشة "كراج" شركة ستاي للنقل في طريق المدرسة الثانوية وحيث المشوار كان بعيدا من منازلنا مما أتاح لنا فرص للعب أكثر في طريق الذهاب والعودة لكني كنت غير مرتاحٍ لهذا التغير .. لقد افتقدت عالم شارع شفشفيت وما كان يعني ذلك لي من العيش مع المارة من علي الربوة .. كان ذلك الجو يجعلني أعيش معهم .. أتسارع مع خطاهم وهم يسرعون المشي في الصباح .. أئن لثقلهم وهم يحملون أغراضهم للسوق .. أفرح عندما يبيعون ويحسبون في الفلوس فقد تخلصوا من الحمل ولو الي حين ..لقد أفتقدت ذلك الجو وأفتقدت الأفق من تحتي أري الحي وحركة سكانه .. الأن نحن في كراج مقلق لا تري فيه الا ذلك البص القديم الذي أحضر للصيانة لكنه ربما لا يصلح حتي للصيانة فتًرك في الكراج الي أن يقرر في مصيره

Tuesday, August 29, 2017

الدلاليك والحولية وعبي عبدالله


الناس في مدن المنخفضات كانت تجيد المدأئح بل تبدع فيها وكان لكل مدينة مبدعيها في المديح فالشيخ طاهر كان علي رأس مبدعي المديح في كرن كما كانت هناك قممٌ أخري أمثال الخليفة الفكي أحمد عبد الله أطال الله في عمره وهو والد الأخ العزيز عبد الفتاح فكي أحمد وأخيه المرحوم عباس الفكي أحمد صديق الصبي منذ أيام خلوة الشيخ محمد عمر حيث كنا أنا وهو والاخ زين العابدين محمد علي عمر شيخ أقران نجلس سويًا عندما يُمْلِي علينا الشيخ محمد عمر في الصباح وكنا في سور متقاربة وكنا نلعب أوراق "البُمْبَا أميريكان" وتتلخص في جمع أكبر كمية من الأوراق التي تلف عليها العلكات (اللبان الامريكي) وكانت ذات قيمة تعليمية كبيرة حيث كل ورقة كانت تحمل معلومات متكاملة عن بلد معين مثل علم البلاد, العملة المستخدمة, اللغة, عدد السكان, العاصمة ومساحة البلاد مع خريطة توضح موقع البلاد .. كنا نتنافس بعدد البلدان التي بحوزة كل منا وبمعرفة تلك البلدان عن ظهر قلب .. كان تنافسا جميلاً علمنا الكثير ونحن صغاراً علمنا عواصم العالم وعدد سكان البلدان عرفنا جغرافية العالم قبل أن نتوزع في العالم ونسكن قاراته المختلفة يا لها من لعبة تستحق الأشادة ورحم الله عباس الذي وافته المنية في السويد وبارك الله في أعمار من تبقي منا وفي زرياتنا .. كان معنا في ذلك الوقت مجموعة كبيرة من الأخوة والأخوات أذكر منهم الاخ إدريس محمد علي عمرشيخ اللذي كان يوفق بين المدرسة والخلوة, يونس إبراهيم, عافة محمود, محمد محمود إدريساي, وكثيرين من أبناء حينا والأحياء المجاورة .. وكان للمديح أيامه وأوقاته بالاضافة الي أيام الحوليات .. كانت ايام المولد النبوي الشريف والليالي التي تسبق المولد تقام فيها المدائح وكذلك في ألأعراس .. كانت الناس تحب المدائح وكانت أكثر شيئ تتناغمه الأفواه وخصوصاً عند الرجال .. الطرب المدائحي الذي يغور بالنفس ويسموا بها الي علياء الأندماج الروحي والجسدي علياءٌ تدركها في الشيخ طاهر نحيف الجسد قوي الحنجرة وهو يتمايل كأنه النسيم يلامس الأغصان وهو يؤدي بحر الصفي .. صوتٌ قوي لا تتخيله يخرج من ذلك البدن النحيف لكنه يخرج مجلجلاً هادرا كأنه شلال ٌ ليطغي علي بقية الأصوات .. صوتٌ تدركه كرن جيدا وخصوصاً من عاصر زمانه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي .. كذلك الخليفة أحمد الذي كان يقود كل المناسبات الدينية وخصوصاً تلك التي تقام في دار أل بكري "عد سيدي بكري" وذلك الحوش الكبير الذي يكون في المناسبات الدينية مستقطب الكرنيين من كل الأعراق والأجناس وحلقات المدائح كانت تقام عادةً في الفسحة أمام الضريح وتقرع الطبول "الجباجيب" والطبول لم تكن للجباجيب وحده بل وكانت تقام الليالي الساهرات من كل أنواع الطرب من السعسعيتْ والدلوكة والمرقدي وكذلك السُومِيَتْ .. خلال ايام الحوليات كانت الناس تتقاطر افرادٍ وجماعات كلٍ له مقصده .. هناك من يأتي للطرب والترويح خصوصا الشباب وهناك من يأتي لشراء الحلويات من حلاوة سلة وسمسمية وغيرها مما تجود به أيدي المصوعيين القادمين خصيصا لبيع الحلويات بالاضافة الي المهام الأجتماعية الاخري فالروابط الاجتماعية بين المدينتين كانت أكثر من عامرة  .. وهناك من يأتي من بعيد خصوصا أهل بركة حاملين الهدايا وتري جمالهم بَارِكَاتْ في الدار الواسعة... لقد كان موسم الحولية موسم ينتظره الجميع وتدور حوله الكثير من القصص وتتناقل الألسن فيه الكثير من النكات إما من الكرنيين علي المصوعيين أو العكس .. قيل أن واحدا من ألكرنيين تخاصم مع أحد المصوعيين وبعد صدام وعراك فصل بينهم أهل الخير وراح كلٍ في طريقه وبعد مرور وقت علي الخصام التقيا مجددا في إحدي الطرقات فلما تعرف الكرني علي المصوعي قفز ليتشاجر معه مجددا فقال المصوعي مخاطبا الكرني "ياهو ميتو كنترات مسليك" أي إن خصامنا كان لمرة واحدة وليس كنترات من الخصام .. أهل مصوع أهل سلم وسلام وأهل  ثقافة ووئام  وأهل مرح وفكاهة لا تخلوا حياتهم العادية من الطرفة البريئة كذلك أهل كرن لكن من طراز أخر فلكلٍ خصاله .. ألمصوعيين لا يحبون الخصام والعراك الا ما كان منها لزاما وإضطرارا وهذا كان مبعث تنكيت الكرنيين بهم أما المصوعيين فكانت نكاتهم علي الكرنيين كثيرة .. قيل أن مجموعة من الشباب الكرني كانوا في مصوع لحولية سيدي هاشم وكان الجو ساخنا لدرجة لا تطاق فإشتري هؤلاء الشباب بطيخة وجلسوا يأكلونها والغَرَقْ يتصبب من جبينهم من شدة السخانة فمربهم مصوعي ورءاهم والعرق يتصبب ولحظتها قابل مصوعي أخر كان يمر كذلك فقال له "حميد مِهل أخبار" أي ما هي الأخبار يا حميد .. فرد عليه قائلا "غربية زَلِمْ هَليتْ" أي ان أمطاراً تهطل بالمنطقة الغربية ويعني بذلك ان الكرنيين يتصَبَبُون عرقاً ويضحك علي وضعهم هكذا كان المرح والفرح دواليك بين كرن ومصوع والحوليات كانت وعاءاً يحتضن الكم الثقافي الهائل بين المدينتين مع ما يتداخله من روابط ووشائج أسرية .. أيام الحولية تري فيها العجائب العجاب .. منها الضرب بالخراميج (الصياط) في الدلوكة ومن الذين يشهد لهم في ذلك المرحوم فرج طَلِيمْ أبو المرحوم إدريس فرج لاعب فريق عنسبا وكذلك المرحوم محمد علي ملي صديق الوالد والذي عمل لفترة بشركة أنكودة للحوم بشمال كرن قبل أن يتركها مريضا وطريح الفراش لمدة طويلة كذلك عثمان حيلا الذي كان كثيرا ما يتورط في الدخول في الحلبة ثم يصعب عليه الخروج منها بعد أن تشتد عليه الصياط وتقل منه درجة التحمل وتتدخل النفوس الطيبة لإنقاذ الموقف ويا ليته إنتهي عند ذلك بل يتكرر المشهد في اليوم التالي عندما يكون الإنفعال سيد الموقف مجددا وعندما تتعالي زغاريد النساء مع كل ضربة خرماج وصمود الاخرين أمامها .. كذلك كان هناك خميس من سودان طَبَابْ ذو القامة الفارعة والبنية العريضة وكان شِريباً عربيداً يحب المزاح وكان يسوق عربة الحجارة التي كانت تأتي بالحجارة من أطراف المدينة لتستخدم في البناء فالمدينة لم تكن بعد تستخدم الخرصانة مع الحديد في البناء بل كانت تستخدم المواد المحلية من طوب وأحجار مكسرة من الجبال حول المدينة ومادة الجير للربط مثله مثل الأسمنت .. كان خميس عملاقا يخيف من يبارزه في حلبة الخرماج وقليلون من ينازلون خميس .. الدلاليك والجباجيب والمدائح والسلة وطمبارة سودان طباب وعَبِي عبدالله "حُوِي بَارِهْ بِلَايُو" .. أذكر كيف كانت البنات يستدرجن الفنان عبي عبد الله علي الغناء بتكرار عبارة "حُوي بارِهْ بِلايُو .. حوي باره بلايو" مع إيقاع خفيف من الكبَرُو والعبارة يتغنين بها البنات قائلات يا أخي يا صاحب الثوب الناصع وهي للاستدراج  ثم يدخل عبي عبدالله الحلقة متوسطاً إياها متكئاً علي عصاه صادحاً دون تكلف بأغانيه التي كاننت دائما جزءاً من الواقع وتحمل أسماءاً حقيقية لاناس حقيقين وأماكن في المدينة كان عندما يصدح بأغنانيه  الشهيرة يرتقي مستوي الطرب وتعانق النفوس الثريا مؤججاً الحماس ورافعاً الحس الوطني .. عبي كان يعرف كيف يخلط بين كل أنواع الأغاني كان يدرك متي يغني لمعشوقته حيث كان يبدأ بالغزل  وأغاني وَدْ أمِيرْ وكَماجَنة ثم عندما يتأخر الليل ويخلو المكان من أعين الحكومة والجواسيس عندها يبدأ غناؤه الثوري وأشعاره المُلهبة للحماس والداعية للألتحاق بالجبهة والجبهة وحدها هي الثورة الإرترية حينها .. عَبِي رفع من سقف ومستوي الأغنية في النصف الثاني من الستينيات والسبعينيات .. أغاني عبي مفتوحة الجانبين يبدأ الأغنية حيث ما أراد ويختمها حيث ما أراد ويضيف مقاطع جديدة كلما أراد ومثال لذلك أغنيته المشهورة "قِلْ تِتْهَديتُو إتْ معشورا وهِتا سامْعَتْ يَهَليتْ أَسُؤُلا" أي سوف تتزوج في عاشوراء وهي لم تسمع بعد فأخبروها .. وفيها يقول "إنَاسْ تَبْعَتْ دُولْ وَلَتْ أنْسَيتْ فَتِي .. دَبِرْ يِلَعَرِقْ ومَحَازْ يِلِتْعَدي .. لؤُوكْ أَنِسْ قَبِي زُونْ زُونْ وَدي" أي عندما يحب شاباً فتاةٍ لا يستطيع صعود جبلٍ  ولا عبور نهرٍ يكون هائما كمرسال النساء .. كل مرة أستمع فيها لعبي يغني تلك الأغنية إلا وأضاف عليها مقاطعْ جديدة وهكذا لا تمل في سماع عبي مُجَدِداً لقديمه شادياً بحديثه غير مثقلٍ ولا مملٍ في غنائه.. عبي كان ذلك السحر الذي يضاف علي الحولية ليجعل من لياليها وأماسيها شلالاتٍ من الطرب والأبداع قد حباه الله بملكة التأليف والأداء والإرتجال كل ذلك في آنٍ واحد .. تتساقط الكلمات متناسقة متناقمة دررٍ فوق بعضها البعض من المعاني والزوق الرفيع .. إنسيابٌ طبيعي متواصل غير منقطع لا في المعني ولا في النغمة يتدفق منه عذباً سلساً   .. عبي عبدالله كان أيقونة الحولية وكان محبوب الجماهير الكرنية .. كُلُ هذه الأنشطة مَنْ مِنا يتوقع أن تكون جزءاً من مناسبة دينية .. الحولية كانت سبباً لتُقِيمَ كرن مهرجانها الثقافي السنوي الذي يحضره المسيحي والمسلم كما كانت ماريام دعاريت سببا للمهرجان السنوي الثاني للمدينة وبحجة وسبب أخر تتخذه المدينة لتقيم مهرجاناتها .. أهل كرن وبطبعهم المائل للمرح واللعب لا تنقصهم الأسباب والزرائع لاقامة مهرجاناتهم من حولية وماريام دعاريت .. تتعدد الأسباب والهدف واحد .. مهرجانات تعطي المدينة خصوصيتها وتفردها من المدن الأخري.


Monday, August 21, 2017

كم في اللوح وديمو ديموتا


همومنا كانت علي قدر أعمارنا .. كل شيئ بسيط, سهل وميسر .. لا تعقيد في الحياة فعدم وجود الكهرباء لم يكن الأ فرصة للأبداع في ابتكار ما يملأ وقتنا .. كثيرة هي الأنشطة التي كانت تملأ فراغنا .. فالي جانب كرة القدم كانت "الشاكو" والتي يطلق عليها في أمريكا بلعبة البيزبول .. كانت لعبة مشهورة ومنتشرة عندنا وكانت محببة لدي كثيرا حيث كنت أجيدها وأتقن قوانينها .. وأذكر ذلك الصباح الذي كان فيه الملعب الرئيسي للمدينة (جوكو) ممتلئا بالمشاهدين واللعيبة وهم ليسوا أطفالا صغارا كما تعودت ولم يكونو لعيبة كرة القدم الذين تعودنا علي مشاهدتهم دائما في الملعب وانما لعيبة من طراز ونوع أخر .. كانوا لعيبة أمريكين يلعبون "الشاكو" أي لعبة البيز بول لقد قدمو من القاعدة الأمريكية المتواجدة بأسمرة .. لقد كانت المرة الأولي التي أشاهد فيها الكبار يلعبون "الشاكو" وكان ظني انها لعبة للصغار فقط .. لكني رأيتهم يضربون الكرة بالعصاة ويجرون كما نجري نحو نقاط التوقف الثلاثة أو يكملون الدائرة كما نكمل ونسميها "جيرة" وهم يسموها "هوم رن" .. رأيتهم يجرون ليمسكوا الكرة "قب" كما كنا نفعل .. لقد أعجبني أن أري الكبار هم اللعيبة وأن أكون من المتفرجين وأن أدرك بأننا لسنا لوحدنا من يجيد ويلعب هذه اللعبة بل حتي الأمريكان يجيدونها ويلعبونها وهي لعبة دولية تمارس في بقاع شتي من العالم... ولا أدري أن كان صغار اليوم يمارسونها كما كنا نمارسها أم اندثرت في زحمة بقية الأهتمامات ..
كذلك كنا نلعب لعبة "السالباتي" وهي كلمة أيطالية تعني الخلاص .. لقد كانت لعبتي المفضلة عندما لا أجد من يلعب معي "الشاكو" .. لعبة "السالباتي" كانت تعتمد علي الجري وتخليص من هم في البيت "الحبس" .. لقد كنا نجري القرعة في من يكون عليه الدور ليركض خلف بقية الصغار للقبض عليهم وايداعهم الحبس وذلك بلمسهم وعلي من تم لمسه بالذهاب الي الحبس والأنتظار حتي يأتي واحدا ممن لم  يقبض عليهم ليخلصة وهو يصيح بكلمة (السالباتي) .. ويواصل من عليه الدور بالقبض علي بقية المجموعة واحدا تلو الأخر حتي يكمل القبض عليهم جميعا وهكذا تكتمل وتتواصل بأختيار شخص أخر .. لقد كانت متعبة جدا للذي عليه الركض والبحث والقبض .. كانت تملأ جزء كبير من وقت الفراغ وتعلمنا التخطيط والصبر وأهمية العمل الجماعي في تخليص المقبوض عليهم كذلك كانت تقوي أجسادنا بالركض المتواصل لكي لا يتم القبض علينا وكذلك لتخليص المقبوض عليهم.
كما كنا نلعب لعبة "من ضربك" .. وكانت تتلخص في أن ننقسم الي مجموعتين الأولي تلعب دور الخيالة والثانية تؤدي دور الخيل وكنا نقف في شكل دائري والخيالة علي ظهور الخيل ونضع حجرين في وسط الدائرة .. كان علي الخيالة تغطية عيون من يلعبون دور االخيل .. وينزل واحد من الخيالة ويقرع الحجرين ببعضهم البعض وهذا يمثابة التنبيه ثم يتقدم ليقرع رأس أحد المغطية عيونهم ثم يعود من حيث أتي الي موقعه ليمتطي ظهر من يحمله بهدوء تام لكي لا يلفت أنتباه من قرع رأسه .. وبعد أن يستوي علي موقعه يفتح الخيالة الأعين وبصوت واحد يصيحون علي المقروع رأسه سائلين وبصوت عالي "من ضربك" .. وهنا يأتي دور المضروب في تحديد الضارب وله ثلاثة فرص .. ان أتي بالأجابة الصحيحة تنقلب الأدوار ويصبحون خيالة أو فرسان وان لم يأتي بالأجابة الصحيحة يخسر فريقة وتتواصل اللعبة دون تغيير الادوار وهكذ ويالها من لعبة مسلية وممتعة كانت تتواصل حتي غروب الشمس أو نسمع أذان المغرب وعندها فلا خيار بل الذهاب الي المنزل ..
كما كنا نلعب لعبة "كم في اللوح" وهذه الألعاب تبدوا ذو أصول عربية لما هناك من التسمية والكلمات المتداولة والمتبادلة فيها .. كنا نقتسم الي مجموعتين وحكم .. كان علي الحكم ان يرسم خطين علي الأرض الاول للوقوف والثاني علي بعد مسافة بعيدة من الأول حيث يكتب علي الأرض رقما ويصيح الحكم سائلا أفراد المجموعة الاولي وبصوت عالي "مستعدين" ليردوا وبصوت عالي "بابور حطين" أي جاهزون للأنطلاق كقطارات الحديد .. وهنا يسأل السائل للأول في المجموعة الأولي " كم في اللوح" فأن أخطأ قيل له "كذبا كاذب" ويوجه السؤال للثاني فالثالث فإن أجاب قيل له ولمجموعته "شدو وأركب" وهنا يقفظ أفراد المجموعة الأولي علي ظهور المجموعة الثانية ممتطين ظهورهم الي أن يصلوا الي مكان الخط الذي عليه الرقم ثم تتبادل المجموعتين الأدوار.. وكذلك ان لم يأتو بالأجابة الصحيحة تتبادل المجموعتين الأدوار وتتواصل لعبة  " كم في اللوح"  ذات الأصول العربية .. كانت لعبة محببة لدي الجميع لما لها من متعة وتشويق ..
أما في الأمسيات وعلي ضوء القمر كنا نلعب ألعاب مختلفة من لعبة "مسمار ولا حلقة" وعادة كانت علي الظهر فيسأل السائل خصمه "مسمار ولا حلقة" أما قابضا يده أو فاردا أصبعه الكبري فئن كانت الأجابة صحيحة يتبادلون الأدوار وان كانت الأجابة خاطئة يضرب خصمه قائلا "دقو الفلقة" وهكذا تتواصل اللعبة حتي يحين وقت النوم ونذهب للنوم ..
كذلك كنا نصطف جالسين باسطين أقدامنا لنلعب "ديمو ديموتا" وعادة الأكبر فينا هو الذي يقولها مارا بيده علي الأقدام المبسوطة والمصطفة حتي يرسي علي واحدة من الأقدام عند نهاية الْ "ديمو ديموتا" ثم يعاد الكرة وتخرج رجل أخري وكذلك تتواصل حتي تبقي رجلٌ واحدة وصاحبها هو الخاسر في اللعبة .. وعبارات "ديمو ديموتا" لا أعرف مصدرها ولا معانيها التي تبدو علي أنها خليط من البلين والتقرايت وعبارات أخري لا أدري مصدرها اللغوي وكنا نكررها ونحن نلعب حتي حفظناها عن ظهر قلب .. وهكذا كانت نقول عباراتها "ديمُو ديموتا .. ديمو ديمو نوري .. نوري بسكوتي بسكو بسكو كردي .. كردي سنا دي سنا سنا  لينا .. لينا غسلينا غسلي غسل لكي .. لكي جبركي حليب يستيكي .. يما حجج هليكو .. تمنيتْ تمنيني .. تابوبْي تنان مرحتي" .. وكنا نلعبها عادة في الختام قبل النوم وبين الصغار من أفراد الأسرة الواحدة لانها كانت تأتي قبل وقت الحكايات والقصص التي هي من أمتع أوقاتنا ففيها يسرح الخيال وتتفنن الحاكية في سرد الحكاية بشكل ممتع وخالاتي كنا يبدعنا في سرد الحكايات لنا قبل النوم وكان التشويق في السرد عاليا وراقيا يحفظك للأنتظار لليوم التالي لسماع المزيد .. وعلي حسب ظني هكذا تناقلت الأجيال وراء الأجيال الحكايات والقصص والأمثال وصرنا شعبا شفهيا .. نجيد في النقل الشفهي ولا ندون .. وما دون كان عبر كتاب أجانب أمثال اللإيطاليين أو الإنجليز وذلك لان ثقافتهم يطغو عليها التدوين والتوثيق.       


Thursday, December 22, 2016

وكذلك تمضي الأيام ويحل العام الجديد


انها لحظة مراجعة الدفاتر وقراءة القصاصات الورقية المتناثرة المبعثرة كلها تحمل ذكريات أيام مضت أيام إنصرمت أيام حَفَرَت في الذاكرة أخاديد من الذكريات أخاديد من اللحظات التي لا يمكن نسيانها أخاديد يصعب إندمالها لذا عليَ تذكرها وعدم نسيانها .. إنها ألايام الأخيرة  قبل أن يغادرنا العام الذي كان جديدأ عندما أقبل الينا قبل شهور مضت لكنه قد فنت أيامه وإنطفأت شمعاته واحدة تلو الأخري ليصبح العام قديما ونجتر فيما أصِبنا أو فيما أَصَابنا فيه عامنا يا ماضٍ دون توديع هل رحل العسكر الي سكناتهم وأخلوا الطرقات للأهليها وهل إندمل الجرح وعادت الأطفال الي مدارسهم وهل نظفت الشوارع من الركام وعادت الناس الي ديارهم .. ياعامنا الذي إكتملت أيامه رحيلاً وإكتملت شموعه إنطفاءاً دعني أتحسس كل يومٍ فيك صار ماضيا دعني أتحسس فيك ما صار لشعوبنا وما صار لديارنا .. دعني أتحسس فيك ما أصابنا من خرابٍ وما حل بنا من دمارٍ .. دعني أفتح كتابي وأجرد حسابيَ .... دعني أرتب ما بُعْثِر من أوراقيَ وأُلملم أطراف ما شتت من أفكاري وذكرياتي .. يا عامٌ يا منصرم قل لي ماذا جنت فيك شعوبنا فهل ما زالت الصحاري مزروعة ببقايا رفات شبابنا .. هل ما زالت الحيتان في قاع البحار جوعي تنتظر ما تبقي من أجسادنا .. هل ما زالت العسكر تتحكم في مصائرنا .. هل إنطفأت الحروب وحل السلام في ربوع ديارنا أم أن النار مازالت تحصد الأرواح وتذهق الأنفس وتأكل الأخضر واليابس .. يا عامنا المحتضرة أنفاسه والمتساقطة أوراقه والدانية أيامه قل لي وبربك ماذا جَنَت شعوب منطقتنا .. لماذا هذه الويلات المتراكمة .. لماذا هذه العذابات  المتواصلة المستمرة لماذا هذه الدكتاتوريات المثبتة كالخرصانة بالحديد تزيدها الأيام قوةً وتصلباً تزيدها الأيام بطشاً وتشبثاً تزيدها الأيام تعالياً وتغطرساً تزيدها الأيام أنانيةً وتمسكا .. دكتاتوريات تري في نفسها دون بديل وكأن الأمهات توقفن عن الأنجاب وكأن الأرض لا تنبت ولا تَخْضَر الا بوجودهم وكأن الجفاف سوف يعم برحيلهم .. يظنون ويظنون لكن تعلم الشعوب بأن وجودهم هو القحط والجدب والفناء وإستمرارهم هو العقم والتوقف .. إنهم يقتلون الحياة ويجففون الأرض من ساكنيها .. إنهم يقتلعون الجزور ويحرقون البذور ويقطعون الأرحام .. إبادةٌ وإخلاءٌ وتجفيف لم تشهد له المنطقة مثيل ..شبابٌ إما يموت في الخدمة أو عند الهروب أو تعذيبأ في السجون أو عندما يفلت من كل هذه الأهوال في الطريق أو علي أيدي الرشايدة أو علي أيدي تجار قطع الغيار وإن أفلت من كل ذلك يكون حتفه في الصحاري ظمأً وعطشا أو تيهانا في الصحراء لتتناثر عظامهم وأشلاءهم في كل مكان شاهدةً علي معاناة جيل كامل وإن أفلتو من الصحاري بكل أهوالها فتنتظرهم عصابات قطاع الطرق والإتجار بالبشر حيث يباعون  كالقطيع وتتقاذفهم الأيدي وما يصاحب ذلك من ويلات الإسترقاق والإستعباد .. وإن أفلتوا من كل تلك الويلات ووصلوا الي شواطئ البحر بحثاً عن مراكب تقلهم وتعبر بهم المتوسط فهناك ويلات البحر الذي لا خبرة ولا علم لهم به .. البحر وما أدراك ما البحر لا علم لهم به الا من خلال القصص لا علم لهم بمذاقه ولا بأمواجه والقليل جدا من يدري السباحة فيه .. أهوال البحر وطمع أصحاب المراكب وتكديسهم في القديم البالي منها جعل من الكثيرين منهم لقمةً صائغة لحيتان البحر المتوسط .. عذاب دونه عذاب حلقات محكمة من حلقات الأبادة وتصفية جيل كامل كان من المفترض أن ينعم بحياة أفضل وغدٍ أزهي جيلٌ أُعِدَتْ لتصفيته كل الحلقات التي إن أفلت من واحدةٍ منها تلقفته الأخري وإن أفلت من الأخري إنتظرته حلقةٍ غيرها وهكذا حتي يركب أمواج البحر ساعٍ لبر الأمان لكن ذلك البر يكون أحيانا في قاع البحر أو بين فكي الحيتان ومن أفلت من كل ذلك ونجي بجلده الي اليابسة الي أروبا  فهناك تنتظره معسكرات اللجوء ومتاعب الإجراءات وصعوبة اللغة والكثير والكثير من المتاريس والعقبات تتلاطمهم المسالك وتتخبط بهم الطرقات والظروف .. القليل منهم من يتمكن من الأستقرار وبناء لَبِنَات حياته .. حياةٌ كانت من المفترض أن تبني في الأوطان دون دفع تلك الأثمان .. حياةٌ كانت من المفترض أن تكون علي رأس قائمة الأوليات للحكومات في  بنائها وتطويرها وتوفير كل ما تحتاجه من وسائل وسبل .. لكن الدكتاتوريات كانت أولوياتها البقاء والتمسك بالسلطة لذا صنعوا حلقات الموت لشباب هذا الجيل إقتتال وتقتيل فمن لم يمت في الإقتتال يموت بحلقات التقتيل وهي كثيرة .. عامٌ خلت وولت أيامه .. عامٌ دنت وحانت ساعة رحيله لكن قبل الرحيل يا عام ماذا نال فيك أطفالنا ماذا حل بأحلام وتطلعات شبابنا .. يا عام سوف يسطر التاريخ رقمك ضمن السنين التي عاشتها دكتاتورياتنا .. سوف يُسْطَر رقمك ضمن أعوام التنكيل والدمار .. ضمن أعوام الشتات والضياع  .. ضمن أعوام التهجير والتفجير والتدمير .. ضمن أعوام الحرمان من السلام والأمان .. ضمن أالأعوام التي جُرِدَ فيها الانسان من إنسانيته  وصارت تمارس فيه كل وسائل التعذيب والترهيب .. يا عام أراك تنصرم قبل أن نشهد فيك الخلاص من الإستبداد .. يا عام تنصرم  قبل أن نوأد ونطفئ نيران الطغاة .. يا عام تنصرم  قبل أن ينال الجناة عقابهم وقبل أن تصل يد العدالة اليهم .. يا عام أراك تنصرم وها هي بلادي وما زال الباطش المتغطرس المعتوه يبطش بشعبها ويزرع الدمار في ربوعها .. يزرع الرعب والخوف في طرقاتها .. لقد ملأ البلاد سجونا ومعتقلات .. يزرع البؤس والفقر وقد أوقف عجلة الأنتاج بعد تجييش الشعب وتهجير الشباب وإغلاق البلاد .. يا عام تنصرم وما زال اليمن الحبيب غير سعيد فقد تقطعت أوصاله وحلت المليشيات والجيوش أرجاؤه .. حريقٌ ما زال مشتعلا وما زالت الزيوت تسكب فيه بدل الماء ليذداد الحريق ويصبح الكل غريق فلا صديق ولا رفيق آه يا يمن يا غير سعيد .. لا معين ولا منقذ فالكل يود تقطيع أوصالك وترك النار في إشتعال .. اليمن الحبيب غير سعيد والسودان العزيز ومازالت أطرافه مشتعلة ومازالت أوصاله تدمي والحال أسوء في ليبيا وسوريا والعراق ... وعموم المنطقة تدمي .. يا عام يا منصرم مازالت أوجاعنا كما هي ومازالت أوضاعنا كما هي  مازالت آلامنا كما هي ومازالت أمالنا كما هي  نود أن نري النار وقد إنطفأت والحروب وقد خمدت والفتن وقد أجهضت .. نود أن نري العساكر وقد عادت الي سكناتها .. والدكتاتوريات قد ذابت وإندثرت وألأطفال وقد عادت الي مدارسها والأزهار الي حدائقها وطرقاتها .. نود أن نري تشيدا لا تدميرا .. نود أن نري في الوجوه إبتساماةٍ قد عادت وليس دموع مازالت تنهمر غزيرا .. يا عام يا منصرم إن القائمة طويلة لكن قد حان دنوك وحان وقت رحيلك من الحاضر الي التاريخ لكنَي لم نفقد الأمل بعد ما دام هناك مستقبل ما دام هناك سنين قادمات .. لم نفقد الأمل بعد ما دام هناك بريق في الفضاء يشع وبريق في عيون الصغار يشع وبريق في القلوب رغم الضني يشع ويشع.                                                                     

Thursday, December 31, 2015

عام 2016 يا عام يا جديد


ها هي الأيام تدور والسنين تمر ونحن كأننا جُلُوسْ نستمتع بتفرج مرور الوقت بل نحتفل لتوديع عام وإستقبال أخر .. وكأن الرحلة الزمنية متعة نتنزه في مروج السنين وهي تتوالي .. نعد فيها .. عام مضي وعام قادم ثم عام يتلوه .. شريط الأيام كأنه فلم يمر نتدارك أنفاسنا أحيانا من فظاعته .. ها نحن نطوي عام 2015 بكلما إحتوي من مأسي وأحزان ولم يختلف عن العام السابق علي منطقتنا .. أوجاع في الجسد وجروح يصعب إندمالها بل جروح وشروخ زادت إتساعا وعجزت الأطباء عن إيتاء دواء لها .. يا عام يا جديد يا متجدد عدت علينا قادما من أي باب .. باب المعاناة وإزدياد الهموم أم باب الحلول وإنفراج الهموم .. سنين مضت وما زال باب الهموم هو المفتوح وما زالت السنين عبره تأتينا .. سنين مضت ومازال لهيب الهموم لم ينطفئ فينا .. سنين مضت والهموم والمعاناة قد دخلت شَبِعَت وترعرت فينا فكبرت وشِخْنَا وشاخَتْ هي فينا .. سنين مضت ونظن المعاناة تغادرنا يوما لكنها إستمرأت وإستوطنت فينا .. سنين مضت والمعاناة صارت هويتنا ورمز الحال فينا .. سنين مضت وسنين أخري عبر نفس الباب تأتينا .. سنين مضت وسنين أخري تحمل التشرذم والتبعثر والشتات والدوي والأنين .. سنين مضت وما زالت رمال الصحراء تقبر الرفات والعظام وكل ما تبقا فينا .. سنين مضت وما زالت المراكب تمخر عباب البحار تحمل الأجساد والأرواح قوتاً فتقتات الحيتان فينا .. مازالت السنين تمضي والحيتان تطلب المزيد والمراكب لم تتوقف تجلب فينا .. لا تمييز بين كهل وإمرأة ويافعاً جنيناً .. تجلب المزيد والمزيد يمضي لقاعٍ يأوينا .. لقاع تدفن فيه أحلامنا وتنبت فيه أحزاننا .. لقاع تتبعثر فيه أشلاؤنا وتسكن فيه زواتنا .. الفيافي الصحاري والبحار تحصد المزيد والمزيد من شبابنا .. هامت بهم الدنيا وضاقت بهم أوطانهم رغم سعتها .. هامت بهم الدنيا فصاروا حصادا للرمال وقاع البحار ..
يا عام يا جديد لقد تحطمت الأوطان وتصدعت البلدان وإزداد الشتات وتبعثر الأنسان وصار أشلاءاً وعم الخراب الديار فهلا حملت بَلْسَماً يداوينا .. هلا حملت دواءٍ لمأسينا .. هلا وهلا .. ننتظر مئات من الأيام نحلم بعام جديدٍ يأتينا .. بعام جدبد يشرق بصبحه فينا .. بعام جديدٍ يمسح دموع اليتامي ويوقف شلالات الدماء والدمار الذي عم والخراب الذي إستوطن وشمل كل مفاصل الحياة في حَضَرِنَا وروابينا .. يا عامٍ يا جديد ربوعنا صارت خرابا وعمارنا صار حطاما وترابا .. مدننا صارت أطلالاً واطفالنا صارت تلعب في بساتين اليأس وتقتات من حدائق الدمار والحياة صارت كابوساً تملأ دخانه السماء .. يا عام يا جديد هاهي ديارنا لا تميز طرقاتها بل لم يتبقي فيها طرقات  والأشلاء مبعثرةٍ تمنع الحلم من الخروج بل حتي من التكون قبل الخروج .. الحياة تخاف علي نفسها فغادرت بلداننا وتركت أوطاننا .. هاجرت وغادرت بل حتي الحياة لجأت لديار جديدة .. لاوطان جديدة .. لفضاء جديد حيث الحلم يستطيع التكون والخروج .. حيث الشمس تبزغ من جديد لتصبح يوم جديد ويصبح النهار ذو مزاقٍ وطعمٍ جديد ولا يصبح اليوم كيومنا هذا تليد .. حيث يستطيع الطفل أن يحلم ويلعب ويتهادي في المروج .. لقد كرهت الحياة ما رأت وشاهدت في أوطاننا فغادرت وهاجرت وقالت لا أقيم في أوطانٍ لا حلم فيه للصغار ولا سلام ولا أمان للكبار.. قالت الحياة لا أقيم في بلدانٍ لا يحبونني بل يسعون لِوَأْدِي وطمسي .. لوأدي وإسكاتي .. لوأدي وإخراص حسي .. غادرتنا الحياة وصرنا بلا حياة واسألوا الصحاري وقيعان البحار فهي تجيب.
يا عام يا جديد ويا متجدد .. هل آن الاوان لان نسترد الحياة فيك .. هل آن الأوان للأطفال أن تحلم فيك ولأن تسرح وتلعب فيك .. هل آن الاوان للحياة أن تعود وتستقر من جديد .. هل آن الأوان لأندمال جروحنا .. هل آن الاوان لمسح أحزاننا وعودة البسمة والفرحة الي وجوه الأمهات وهم يرون أطفالهم يمرحون ويسرحون ويلعبون .. هل آن الاوان أن يكون للأطفال قلم ودفتر وليس في كل ممر سلاح وعسكر...متاريس ومخفر .. هل آن الاوان أن يكون للأطفال حلم يكبر ويكبر.. أطفال في اليمن أطفال في ليبيا في العراق وفي سوريا والمشهد واحد لا يتغير.. والمشهد واحدٌ فقد تحجر .. يا عام يا جديد نود حلما لا يتكسر .. لا صواريخ ولا قنابل ولا تدمير ولا عسكر .. نود أن تعود المراعي كما كانت ولا قذائف ولا براميل من السماء تمطر .. نود للحلم أن يكبر ويظل ينمو ويكبر ..
كل عام جديد وأحلام أطفالنا في القرن الأفريقي والشرق الأوسط بالامان والسلام والأستقرار تتحقق .. كل عام جديد والحياة تعود من جديد .. ويعود القلم والدفتر وتختفي من الأحياء جموع العسكر ويعود للروابي لونها الاخضر ويحلم الأطفال ويقولوا عندما نكبر لن نسمح ان تَحْكُمَنا العسكر .. بل القانون وللقانون محضر ومخفر .. بل القانون وللقانون قوة لا تقهر .. بل القانون والقانون تحميه جموع البشر..  

Wednesday, May 13, 2015

الحلقة الأخيرة


 

عبرنا الحدود ووصلنا الي كسلا وبعد ذلك نحت الأمور الي مناحي عدة .. لقد ذهبت الي الخرطوم مواصلا تعليمي وأنا متذكراً وصايا الشهيد إدريس عمر الذي حمل الناعي خبر استشهاده وهو يؤدي المهمة التي أحبها وصرح بها وهي التحامه بالمواطنين والعمل من أجل رفع المعاناة والظلم عنهم لقد استشهد وهو يحضر للمؤتمر الوطني الثاني يقود اجتماعات للمواطنين ويتم اختيار الممثلين عنهم للمؤتمر وكذلك من وحدات جيش التحرير كان يتابع أعماله من منطقة الي أخري وكان هو ورفاقه يعملون تحت ظروف طبيعية قاصية وهو الدؤوب الصامد لا يود أي تأخير في مهمته والأمطار كانت كثيفة والوديان ممتلئة فائضة وكان ما كان حيث استشهد مجروفاً بقوة السيول العارمة وفقدنا وفقدت فيه أرتريا مقاتلاً جسوراً ومثقفاً مستنيراً ومناضلاً أحب شعبه وبذل كل غالٍ ونفيس من أجله .. كان حلمه لشعبه كبيراً وكان يعلم أن ذلك يتطلب نضالا مريرا .. كان ذا بعد نظر ولا ينظر لصغائر الأشياء والأمور كان ذو عينٍ ثاقبة وبصيرةٍ حاضرة تستشفها في فكره في حديثه وفي تصرفاته كان يؤاثر نفسه دون رفاقه وهو الذي انبرا في دبر سالا للأصلة التي كادت تقتل الشهيد حسن باشميل وقتلها وكان ذلك قبل وصولي للمعسكر وكان ذلك بشهادة وتوثيق المناضل فرج علي نور أطال الله في عمره ومد في صحته .. وبذكر دبر سالا والعيادة المركزية نذكر الشهيد المرحوم أبوبكر حاج علي "أبوقبورة" مسؤول العيادة المركزية في ذلك الوقت وهو الذي كان يَردُ ذكر أسمه ب "ود حاج علي" لقد ورد ذكره مراراً وهو المناضل المرح الذي أكسبه مرحه ذلك اللقب "أبو قبورة" ونعلم أن اللقب كان لملك المرح والفكاهة في السودان وقتها وكان ملك زمانه في المرح والفكاهة. أبوبكر كان من جيل الشهيد إدريس ومن نفس المدرسة ومن نفس عصارة الفكر والتفاني والوطنية والإخلاص أتذكره وهو يلاطف مرضاه ويروح عنهم وكان محبوباً كثيرا .. العيادة المركزية تحت قيادته كانت جسدا واحداً وقالبا ومصيراً واحداً .. أبوبكر حاج علي هو الأخ الأكبر للأخ محمود حاج علي بالأمارات وحامد حاج علي والدكتور كمال حاج علي بأستراليا وبقية الأخوة والأخوات من أسرة حاج علي الممتدة .. أما كداني الذي كان لأبوبكر حاج علي دور أساسي في ارساله الي كسلا للعلاج من الرعاف المزمن لم يقم في كسلا الأ وقتاً قصيراً حيث غادرها الي الخرطوم وكان يقيم في بيت الجنود في الديم حيث قابلته لاحقاً هناك عندما سمعت بخبر مجيئه وكان قد تغير كثيراً في طرحه وفي تناوله للأشياء وقد شممت رائحة التمرد فيه .. لم يعد ذلك الذي كنت أعرفه .. لقد صار يحكي لي عن الرجعية وسيطرتها علي قيادة الجبهة كما صار يحكي لي عن اغتيالات لم أسمع عنها من قبل .. لقد فهمتُ بأنه لا ينوي العودة الي الميدان رغم أنه كان يقيم في بيت الجنود وكانت علاقاته متوترة مع بقية المقيمين في البيت الذي كنت أزوره وأتردد عليه كثيرا .. لقد سافر كداني الي ألمانيا ولم أسمع عنه بعدها .. أما صديقي العزيز صباح الخير فمهمته كانت تقتضي مرافقة كداني الي كسلا ليتم علاجه فيها وعلي ضوء حالته الصحية اما أن ينتظره ويعودا سويا الي الميدان ان كان ذلك ما يراه الطبيب أو يتركه ويعود ان كانت حالته تقتضي بأن يتركه .. لقد اشتم صباح الخير قبلي نفس رائحة التمرد فيه دون أن يعلنها حيث كان يماطل في العودة ويتعذر بأعراض لم يكن يشكي منها عرف صباح الخير ذلك فتركه وعاد الي الميدان .. وعلي ذكر صباح الخير الذي حمل الناعي ذكر وفاته قبل خمسة أعوام تقريباً كان اسمه الحقيقي صالح علي شيخ ومن كثرة ترديده لصباح الخير فقد طغي ذلك اللقب علي اسمه الحقيقي .. لم أكن أعلم أسمه الحقيقي الا لاحقاً عندما أخبرني بذلك المناضل المخضرم حسن صالح (حسنيت) مد الله في صحته وأطال الله في عمره وهو الذي قامت العيادة المركزية علي أكتافه كمسؤول للجهاز الصحي ورفاقه الشهيد حسن باشميل والشهيد ادريس عمر .. باشميل كان في العيادة المركزية بدبر سالا والتي غادرها الي أكلوقزاي قبل وصولي بقليل ولم نلتقي خلال فترة تواجدي بالجبل ولاحقاً وخلال نفس العام حمل الناعي خبر استشهاده في اكلوقزاي .. لقد كان حسن من نفس مدرسة الشهيد إدريس عمر .. لقد كانوا كوكبة من الشباب طموحاتهم الوطنية لا حدود لها فحدودها السماء علواً .. فدوا الوطن وهم في ريعان شبابهم غادروها دون أن يتركوا لا مال ولا بنين لكن تركوا ارثاً وفخراً تتوارثه الأجيال من بعدهم تركوا ارث الفداء من أجل الحرية .. تركو ارث الفداء من أجل وطنٍ أمنوا باستقلاله وكرامته شعبه .. تركوا ارث التضحية من أجل كرامةٍ دُنستْ وحقٍ استباحه الطغاة .. ألهمونا معاني الفداء واستشهدوا لتنال أرتريا لاحقاُ استقلالها ولم يتأتى ذلك الا من خلال تراكمات تلك الجهود من مختلف الأطراف والأطياف وكل مكونات الشعب .. لقد استشهدوا في نفس العام وهم الاصحاب والرفاق في الدرب والمبدأ والمصير .. سوف تظل ذكراهم عالقة في خلد هذا الشعب الأبي.. إدريس عمر هو الشقيق الأكبر للدكتور محمد خير عمر الذي يحمل نفس المشعل الوطني نضالاً وتفانياً وحباً لشعبه ووطنه له التحية والأجلال والتقدير .. تحدثنا عن الكوكبة الشامخة التي كست دبرسالا وعلت سماء نضالاته أما العيادة المركزية نفسها فقد كان ما كان من أمرها حيث خرجت قوات العدو من كرن ومن أغردات مدججة ومهيأة بكل العدة والعتاد في سبيل الوصول الي العيادة المركزية والتحمت معها قوات من جيش التحرير حيث استطاعت من إعاقة وصولهم الي العيادة وخلال ذلك تم نقل المرضي والجرحى الي بركا وهكذا غادرت العيادة دبر سالا نهائيا الي هواشيت وتركت الجبهة الجبل لقرب المكان من المدن الكبرى وانقطعت عني أخبار الجبل منذ ذلك الوقت والذي ربما تكون قد تكاثرت فيه الحيوانات البرية لدرجة كبيرة .. لقد ألتقيت بالمناضل سليمان محمد ابن النهود بعد عام من لقائنا في الجبل .. التقيته بكسلا عندما كان في إجازة وكانتْ المدينة حينها تعج بالشباب المتدفق عبر الحدود من المدن مباشرة أو من اللذين لم تستوعبهم الجبهات فعبروا الحدود الي كسلا .. عام 1975 كان عام فيضان الشباب من المدن فمنهم من  التحق بالميدان ومنهم من عبر الحدود الي السودان ثم منها مواصلاً الي البلدان المجاورة .. التقيت بسليمان وجلسنا في المقهى ذو الشجرة الظليلة نحتسي الشاي ويحكي لي عن الأحداث المتسارعة خلال ذلك العام وكيف ان العدو خرج محاولا الوصول الي العيادة وكيف انهم استطاعوا أجلاء كل الجرحى والمرضي دون أن يصيبهم شيء الي هواشيت في بركا وعن الرفاق وعن التغيرات .. يحكي لي عن كل التطورات التي حدثت بعدي وكيف أنه قد تم توجيهه من سرية الحراسة الي وحدات الجيش كقائد فصيلة وأنه ما زال في بركا الا أنه لا يدري ان كان سوف يواصل بنفس الوحدة أم يتم توجيهه الي وحدة أخري .. افترقنا ومنذ ذلك الزمان انقطعت عني أخباره .. حيث تسارعت الأحداث وفاضت المجاري بالمياه وتغيرت الأمور وسوف يظل دبر سالا ذلك الجبل الشامخ منارة للصمود والفداء .. سوف يظل رمزاً عالياً يناطح السماء .. سوف يظل قمةً تربو النفوس اليه باعتزازٍ وفخرٍ واباء .. سوف يظل ذلك الأبيُ المخضب بالدماء .. وسوف تظل الأجيال تذكره محراباً للتضحية والوفاء .. دبر سالا لن أكفيك وصفاً وان سَكًبتُ فيكَ المداد ماءٍ وماء ..
 

بقلم/محمد عيسي
Dallas TX, USA

 

Wednesday, May 6, 2015

وَدْ دَايِرْ الرفيق في الطريق


عادت الأمور الى نصابها والمياه الى مجاريها .. صار كل شيئٍ واضحا .. رغم أننا لم نلحق بالمجموعة الا اننا علمنا كل التفاصيل عنهم، عددهم ووجهتهم لذا صار هذا الموضوع لا يغُضُ من مضاجعنا ولا يعكر صفو الود بيننا وكل ما أحيط به من إختلاف في وجهات النظر صار من الماضي عادت للنفوس صفوتها وعدنا كما كنا نسير سَوِيًّا لا سابق ولا مسبوق ولا تارك ولا متروك نسير سوياً ونتجاذب أطراف الحديث تارةً في السياسة وتارةٍ أخري في أمور الحياة بشكلها الأوسع والأشمل هكذا من قرية لأخري نعبر تلالٍ وديانٍ وفيافي .. نعبر ونسير ولا ينتهي المسير .. نعبر ونسير ويطول خط المسير .. نعبر ونسير ومازال المتبقي كثير وكثير .. نطوي المسافات ونسير وكأننا قد بدأنا المسير .. وكل شيئ رتيب ومتكرر نستطيع معه توقع التالي من الأشياء كل شيئ كان كذلك الى أن تغير في ذلك الفجر ونحن مازلنا بعد في تلك القرية لم نغادرها ونسمع كبقية أهل القرية ما نسمع من نباح الكلاب وهي تنبه لقدوم شخصٍ ما .. أسرعنا لأخذ الحوطة وتمترسنا خلف شجيراتٍ حتي نعلم وندري عن القادمين .. أَهُمْ من المواطنين أم من الجبهة أم من جهةٍ أخري .. ازداد نباح الكلاب وصار أكثر حدةٍ ومن خلف الشجيرات التي اتخذناها كحواجز وسواتر يتضح لنا من البعد شخصان يبدوان بزي عسكري .. وكلما اقتربا إزداد نباح الكلاب حدةً ونري أحد المواطنين يخرج اليهم ويتحدث معهم ثم يشير بيده نحونا وعندها عرفنا بأنهم من الجبهة وخرجنا من خلف الشجيرات وهاهم قادمون نحونا وكلما اقتربوا بانت لي ملامح أحدهم وأسمع صباح الخير يقول "اهلين وسهلين ود داير.. ود داير مطى" ويقترب محمد عثمان داير وزميله الذى لا أذكر إسمه كانوا أيضاً ذاهبون الى كسلا وكانت وجهتنا واحدة وها هي المرة الأولي التي نتقابل فيها مع مناضلين من الجبهة منذ تركنا همبول حيث كان لقائي الأخير مع الشهيد إدريس عمر وكذلك الشهيد حليب ستي .. لقد فرحنا كثيراً بلقياهم وخصوصاً لأننا سوف نشترك في نفس الطريق فوجهتنا واحدة .. قالوا بأنهم منذ يومين وهم يتعقبون في خطانا ولقد صار لهم ما صار لنا مع مجموعة عبدالله إدريس ونحن نتعقب في خطاهم ولم نتمكن من لقياهم البتة لكن ها نحن وجدنا مجموعةٍ أخرى تشاطرنا هموم الطريق وتقلل من أتعابنا ومصاعبه علينا وخصوصاً ود داير المناضل القديم ذو التجارب والخبرات الميدانية العريقة الرجل المرح وخفيف الظل .. تقاسمنا مع ود داير لثلاثة أيامٍ تاليات الماء والكلأ وكذلك أحياناً "الجبنة" .. قاسمنا كثيراً من تجاربه وخبراته وحكاياته الجميلة اذكر منها عندما قال كنت في سفرية للخرطوم وكنت مقيماً بأمدزمان مع ود خالد وهو الخال إدريس وفي صبيحة احدي الأيام ودون مقدمات ونحن مازلنا على الأسِرَة نائمين وإذا بالذخيرة تمطر ناراً والأسلحة من كل الأحجام تملأ الفضاء والعويل والصراخ والهرج والمرج من كل إتجاه .. صباحا وليس كمثل أي صباح قال كان مرعبا وتحس بأن الذخيرة تتساقط بالقرب منك والأدهى والأمر لا تري شيئا من داخل البيوت وتسمع العويل والصراخ في الخارج ومن شدة الحدة والتداخل لا تعرف مصدره قال ونحن الذين تعودنا علي السلاح وصوت الذخيرة الأ انه كان من نوع أخر داخل البيوت ساعات رعبٍ لا تري فيها شيئ قال تمنيتُ الاستشهاد في الميدان ولا الموت في أحياء أمدرمان .. وأنا القادم لتوي من الميدان فمِنْ نارٍ الى نار ومن حرب الى أخري في وسط الأحياء ووسط البيوت .. قال لقد أخِذْنا في حين غرة والناس نيام والكل يصحى على صوت وصدي البارود وتخيل في وسط البيوت مع النساء والأطفال ولا تدرى المصدر ولا الاتجاه ولا الأطراف المتحاربة فقط ذخيرة صوتها يجلجل المكان ويسلب الألباب ولقد بلغت القلوب الحناجر ... قال طلبت من الجميع عدم الحراك والانبساط على الأرض حتى لا يكونوا عرضةً للطائش من الذخائر وحتى تخف حدة الأسلحة ويتضح الأمر .. قال تواصل الحال كذلك لحوالي الساعتين وبعدها صار متقطعاً وبكثافة أقل وكذلك تدريجياً حتى توقف لكن الأصوات في الشوارع والطرقات صارت في ازدياد وحركة الناس التي تود أن تعرف ما جرى وما يجري .. قال مثل بقية الناس خرجنا نستطلع وأول سؤال يُطرح اليك " يا ناس إنتو بخير" قال الكل يسأل الكل نفس السؤال والناس تطمئن على بعضها البعض وهكذا عادة الناس الطيبين ويبدو ان الجيران بخير وليس بينهم إصابات لكن كثير من أثار  الشظايا في الجدران .. لقد كانت معركة الأنصار مع جيوش النميري في حي ودنوباوي بأمدرمان وذلك فيما يعرف بأحداث الجزيرة أبا وودنوباوي .. قال أطال الله في العمر ولم يُصب احد من حوله بأذي ما عدا الترويع والخوف .. قصص ود داير أعطت لما تبقى من مسيرتنا طعماً ومذاقاً خاصاً لقد كان مكتبة من المعلومات يحبب اليك السرد بصوته الخافت واسلوبه الجميل .. كان محمد عثمان داير في طريقه الى كسلا وكذلك كنا نحن ومنذ أن التقينا به نزل عن كاهلنا هَمْ الطريق فقد كان يدري كل التفاصيل والمنعرجات ولم نضطر على سؤال المواطنين وأكثر من ذلك كان يذكر أسماء القرى التي سوف نمر بها في طريقنا .. كان مرحًا يمازح كداني من حينٍ لأخر مكنياً له بأبو حجاب ولم يكن كداني يرفضها أو يغتاظ منها بل العكس تماماً حيث كانت تضحكه وأحيانا يقول "إزي بروخ سبأي، أي ذلك الرجل المبارك يعني المواطن الذي صنع له الحجاب "التعويذة" .. وعندما إقتربنا من الحدود قال ود داير علينا بدفن الأسلحة .. لم يكن معنا كثير من السلاح فنحن كان بحوزتنا قنبلتان ومسدس مع ود داير وقنبلة أخرى مع زميله .. قال نحتاج  الى مشمعات وهي التي كنا نستخدمها لنفترشها على الأرض لنرقد عليها ..قال سوف لن نحتاجها لاحقاً نستخدمها لحفظ الأسلحة قبل دفنها وتكون هي كذلك محفوظة للاستخدام في المرة القادمة .. لقد إبتعد الثلاثة ود داير وزميله وكذلك صباح الخير كلٍ في إتجاه وكلٍ يبحث عن علامة تميز الموقع وقاموا بدفن الأسلحة جيداً وهكذا صرنا كلنا "كولي" يعني مجردين من الأسلحة .. كانت تتم هذه العملية دائما عند الذهاب الي كسلا وعند العودة يتم العكس تماماً .. كنا محظوظين بأن صادفنا في الطريق ود داير حيث كثير من التفاصيل خصوصاً عند الحدود كانت سوف تتعبنا لكن وجوده بيننا بدد عنا تلك العقبات لقد قادنا الى طريق السيارات العام والذي تسلكه السيارات الذاهبة والقادمة من كسلا .. وهناك جلسنا ننتظر لوقتٍ طويل حتى لاح غبار في الأفق عرفنا انه ما كنا نبغي وننتظر "لوري" شاحنة تئن مما عليها من حملٍ توقف لنا السائق وعرف من مظهرنا عن هويتنا وطلب من مساعده أن يعطينا ماءاً وبلح .. لقد أكرمنا بما عنده ونحن ممنونين لذلك بل ذاد على ذلك رفضه أخذ الأجرة قائلاً "انتم على عيني وراسي" ثم انطلق بنا ويا للمفارقة بين البحث عن جملٍ والبحث عن سيارة هواجس وأحاسيس انتابتني وأنا في الشاحنة ..ومن على البعد هاهي جبال التاكا ومكرام وقد بدت وكأنّها كتلةٍ صخرية وكلما اقتربنا بدأت التفاصيل تتضح اكثر فأكثر وصارت تقاطيع توتيل بارزة للعيان .. وها قد وصلنا لرحلة جديدة للحياة.


 


ونواصل في الحلقة القادمة والأخيرة من دبرسالا .......