Thursday, February 5, 2015

الليلة الاولي بدبر سالا

عندما وصلنا المعسكر كان الظلام قد حل ومن الصعب تفحص المكان لكن تفحص الوجوه كان بالإمكان مع أضاءة كل لمبة زيت أوفانوس .... لقد عرفت كم كان الشهيد ادريس عمر محبوبا في المعسكر والكل يعرفه فقد صرت اتجول معه للتحية علي المجرحين والمرضي في العيادة وأعجبت كثيرا ان أشاهد لأول مرة مقاتلات في الميدان وكنت اسمع القصص عنهن ... فهذه المناضلة سعدية تسفو التي قامت بالعملية الفدائية الشهيرة بمدينة كرن للخلاص من العميل علي بخيت في عملية جريئة وشجاعة استدرجته فيها بعد التنسيق مع وحدة الفدائيين الي احدي البيوت بحي قزاباندا وهناك كان حتفه المحتوم حيث انقضت عليه وحدة الفدائيين وقطعته اربا ومن هناك مباشرة  التحقت المناضلة سعدية تسفو بالميدان وتم توجيهها الي العيادة المركزية بدبر سالا ... ان عملية علي بخيت هزت مدينة كرن فهذا العميل كان قد اتعب الناس وعانت منه المدينة ويلات وويلات .. لفد كان مناضلا بالجبهة ولظروف أجهلها فضل ان يخون رفاقه ووطنه وسلم يده الي العدو وبحكم تواجده في أطراف كرن كان يدري ويعرف المواطنين الذين يتعاونون مع الجبهة ويقدمون لها الدعم اللوجستي ... ذلك العميل كان قد اضر كثيرا بالجبهة والمواطنين خصوصا المواطنين القادمين من القري القريبة من كرن والتخلص منه باي ثمن كان يمثل اولوية في العمل الفدائي للجبهة حينها ولقد تم لها ذلك بفضل جرأة وشجاعة المناضلة الجسورة سعدية تسفو.. واحدة من المعاناة التي أذكرها جيدا كان هناك  قريب لي وهو أخ جدتي من أمي وكان يعرف علي بخيت جيدا ولقد سمع بتسليم يده للعدو وكيف ان الناس صارت تعاني منه كثيرا قريبي هذا واجه صعوبة كبيرة في الدخول للمدينة وقضاء حاجاته, عليه أما ألانتظارفي أطراف المدينة قبل الدخول والخروج منها أو عدم الدخول للمدينة والبقاء في أطرافها والطلب من الأخريين بأحضار حوائجه له .. لقد عاني كثيرا وكان أكثر الفرحين للتخلص منه .. وكان هناك الكثيرين من أمثاله عانوا وذاقوا الويلات من علي بخيت ... ما زلت أذكر سعدية  ولقد أسعدني رؤيتها في دبر سالا بالعيادة المركزية .. لقد كان هناك ثلاثة مناضلات أخريات .. احداهن هي زوجة الشهيد دبروم طلوق الذي استشهد لاحقا في تحرير مدينة مندفرا عام1977, لقد غادرت زوجة الشهيد العيادة المركزية برفقة مجموعة من الحالات الخطيرة التي حينها كانت تنقل لمدينة كسلا  . أما الأخريان فاني أذكر جيدا ملامح وجوههن لكني لا أذكر أسمائهن واحدة كانت من اقليم أكلوقزاي وكانت تتحدث الساهو اما الثانية فتتحدث التقرايت وربما أتمكن من تذكر اسمائهن في المستقبل. رافقت الشهيد ادريس في الجولة الليلية للمعسكر وانطباعي الاولي للمكان بأنه وعر وخطير للغاية واختير الموقع لهذه الصفات حتي يكون في مأمن من العدو الذي كان أحيانا يخرج من مدينة أغردات أو مدينة كرن للبحث عن الجبهة .. فقد كان اختيار الموقع من الناحية الأمنية موفقا لكنه في نفس الوقت يشكل خطورة علي حياة المناضلين أنفسهم من شدة وعورة التضاريس. عرفت من أول ليلة في المعسكر بان الحركة فيه تحتاج الي حيطة كبيرة والتريث وعدم الاستعجال فكل خطوة يجب أن تكون محسوبة لما في المكان من انحدار شديد ... ولي في هذا المجال قصة مروعة صارت لي رغم الحيطة والانتباه سوف أسردها لاحقا عندما يحين وقت سردها.
في اليوم التالي وفي الصباح الباكر أري المكان ويا له من مكان ... روعة في الجمال انحدارين حادين ينزلان علي وادي صغير ثم غور عميق يحفظ ماء المطر والصخور الضخمة في الاتجاهين من المنحدر ... مكان جميل حقا ... مسمر هذا الشاب الممتلئ نشاطا وحيوية تراهو في كل ألأتجاهات ... لقد عرفت لاحقا بأنه قائد مجموعة الخدمات التي تعين الجرحى والمرضي من المقاتلين ... الحركة بدأت تدب في المعسكر مبكرا جدا فهناك الكثير مما يجب عمله والكل يدري عمله وأول مشاركتي في العمل في المعسكر كان بعد ان تناولنا الشاي والقراصة الصباحية .. أتاني أحد أفراد مجموعة مسمر وطلب مني مرافقته, وسرنا في أتجاه المنحدر وكلما أنزل من صخرة الي أخري في المنحدر يزداد يقيني بأن المكان يجمع بين الخطورة والجمال .. نزلنا كثيرا وصرنا علي حافة الغور والماء من تحته يتلألأ وبريقه يسطع ومجموعة كبيرة من المناضلين تصطف .. وهناك في الغور نفسه أسمع صوت مسمر وهو يصيح بمقاطع تستخدم عادة في السقاية حيث يكررها الرعاة وهنا مسمر وبقية الفرقة تستخدم نفس الأسلوب لنقل الماء من أسفل الغور الي أعلي الجبل بالصفائح (جمع صفيحة وهو وعاء للماء كان يستخدم قبل ظهور جركانات البلاستيك) ... صرت جزءا من المجموعة في خلال وقت وجيز .. جمعنا من الماء ما يكفي ليوم واحد وهذه العملية كانت تتكرر يوميا خلال الفترة التي قضيتها مع المجموعة. أعجبتني المجموعة وهي تردد مع مسمر لحن "أروتلا ... أرومنا ... أروتلا ... أهمنا" كنت أسمع تلك المقاطع في شفشفيت بمدينة كرن حيث كانت هناك بئر تحت الخزان وكان يستخدمها الرعاة عند استخراج الماء من البئر وملأ الحوض "السموي" لتشرب الدواب ... مسمر لا أذكر أسمه الكامل لكنه كان نموذجا من التفاني والنشاط وحب الأخرين ... مهمة جمع الماء في ذلك الصباح الجميل علمتني كيف ان العمل الشاق ممكن ان يكون ممتعا في ان واحد وهذا ما تؤديه مجموعة مسمر ومع من يكن مارا بالمعسكر من المناضلين القدامى الذين يكونون علي علم بالموقع تحديدا لان دبر سالا ليس جبلا محددا كما يعتقد الأغلبية من الناس وانما هو هضبة مثله مثل رورا حباب، رورا ماريا ورورا منسع (كلمة رورا بالتقرايت تعني هضبة) وهي الهضبة المقابلة لبركا في سلسلة الهضاب وانت متجها شرقا الي سمهراو شمال شرق الي الساحل لذلك كثير من المناضلين وهم في طريقهم الي الساحل كانوا يمرون بنفس المنطقة حتي وان لم يصعدوا الي العيادة المركزية ..والترانيم التي كما ذكرت كانت تعطي ذلك الجمع والجهد الجماعي طعما ومذاقا خاصا حتي تمتلئ البراميل التي منها وبها سوف يغطي كل المعسكر احتياجاته من الماء لذلك اليوم بأكمله ... هكذا كانت تتم العملية في صبيحة كل يوم ... وكانت تتبعها مهام جماعية اخري ومنها جمع الحطب قبل ان تبدا الناس في مهامها الفردية...

ومن الأشياء التي شدت وجذبت انتباهي تزيين مداخل البيوت وأسميها جزافا بيوت لانها هي البيوت الموجودة وقتها  وهي أصلا من الرواكيب المعمولة من أجزع الأشجار .. فالمداخل مزينة بالسلاسل الفقرية للأفاعي الضخمة  (ألاصلة او ال anaconda) مررت بعدة بيوت وفي مدخلها السلسلة الفقرية لتلك الأفاعي الضخمة كذلك شاهدت معظم الأحزمة وأغمده السكاكين معمولة من جلد تلك الافاعي .. سألت من حولي عن تلك الظاهرة فقالوا لي أن لا أتعجب وسوف لن يطول  الانتظار ما دمت في دبر سالا سوف تري بنفسك وربما تأكل لحمها كذلك أن كنت لا تمانع في ذلك ... عجيب أمر هذا المكان الجميل هناك فاتورة لهذا الجمال تدفع من خطورة التضاريس ووجود هذه الافاعي ليزداد الامر خطورة... قلت ربما لهذا السبب لا تسكن الناس دبر سالا منذ القدم ولماذا بقية الهضاب مأهولة وليس دبر سالا ... ربما في الامر سر يدفن مع هذه الافاعي ... أو انه الصراع بين الأنسان والطبيعة فخلو المكان من السكان ساعد علي تكاثر هذه الزواحف وكثرتها صار مهددا للأنسان والحيوانات الأليفة. أكيد الغلبة يوما سوف تكون للأنسان لكن حتي الأن صراع دون غالب أو مغلوب.
ونواصل ......