Sunday, April 12, 2015

مع حليب ستي في هنبول

 


بعد عودتنا من سبر ودبر معر كان التركيز منصبا علي التدريب والجاهزية القتالية وظهر تحسن كبير لأوضاعنا المعيشية وكذلك في العيادة المركزية وذلك بفضل الجهود الدؤوبة والحثيثة التي ما برح المسؤولون يبذلونها وعلى رأسهم الشهيد ادريس عمر وكذلك ود حاج علي مسؤول العيادة وآخرون خلفهم يعينونهم في تحقيق هذه النجاحات الملموسة .. لقد كان نادرا مانأكل العدس والأن ومنذ عودتنا صار وجبتنا الرئيسية مرتين في اليوم والسكر صار متوفرا بأستمرار دون معاناة وكذلك سمعت بأن العيادة استلمت مؤخرا دفعات من الأدوية وصاروا يفكرون بأقامة دورات للتمريض وتوزيع الممرضين في الوحدات العسكرية وكذلك توزيع أدوية الأسعافات الأولية بشكل روتيني .. هنالك برامج كثيرة في الأفق بدأت تلوح والضرورة صارت ملحة لها فالإرتفاع التدريجي لأعداد المقاتلين بات يعجل في أن تقام دورات طبية ثابتة  كذلك في الجانب العسكري صارت برامج كثيرة ملحة وضرورية وعلي حسب علمي فان هناك حراك شديد منذ  وصول القائد ادريس محمد ادم رئيس المجلس الثوري الي الميدان والأجتماعات المتتالية للمجلس وانبثاق اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الثاني .. حراك وديناميكية في الساحة تبشر بالأرتقاء بالعمل الثوري الى رحاب أوسع وآفاق أبعد .. أمور كثيرة في طريقها للتغير وهذا أبوعفان صاحبي المقرب يقول بأنه أخيرا حصل علي الموافقة بالذهاب لزيارة أهله وكذلك لموضوع أخر وهنا يفشي لنا أنا وعبي سرا ويطلب منا كتمانه بأنه سوف يتزوج من ابنت عمه التي انتظرته طويلا ورفضت الزواج من غيره رغم الضغوطات التي مورست عليها .. يقول بأن قائد السرية استدعاه بعد عودتتا من سبر وأخطره بالموافقة وبأن رسالته ومصروفه الذي يعطي عند المغادرة سوف يكونا جاهزين .. اما عبي فيمازح أبوعفان قائلا من يكون لك وزيرا وانت تتركنا وتذهب لتتزوج .. أبوعفان موجها حديثه لعبي أخفض صوتك فأني لا أود أن ينتشر الخبر.. وهكذا كانت الحياة تمضي بين أملٍ ورغبة وواقع وصعاب .. بين أحلامٍ وآمالٍ ومشاق .. بين طموحات نتمني تحقيقها وبين حاضر ومصاعب تحول دون ذلك .. هكذا كانت الأيام تمر وتمضي حتي ذلك المساء حيث كنت أجهز نفسي للخروج للحراسة الليلية لكن محمد عافة قائد الفصيلة يقول لا عليك الليلة وسوف يأتي صباح الخير للتحدث معك قلتُ انشاء الله خير قال خير لكن التفاصيل معه وصرت انتظر قدوم صباح الخير بفارق الصبر لأعرف مابالأمر .. أنتظرته حتي وصل من العيادة وأحذني بعيدا وقال أن لقائنا سوف يكون قصيرا فعليه العودة سريعا  لذا سوف لن يطول الحديث قلت وما الأمر بأختصار قال ان علي أن أجهز حالي فسوف ننطلق غدا مبكرين في أتجاه بركا هناك مريض وحالته طارئة وعلينا النزول به وسوف لن نكون لوحدنا بل سوف نكون مجموعة لابأس بها قال تصبح علي خير وغادرني نزولا الي مقر العيادة ومباشرة بدأت في تجهيز أغراضي وفي هذه الأثناء أتي المناضل محمد عافة وجلس يحدثني عن أمور كثيرة بعضها كان عاما عن أمور الثورة والنضال وبعضها كان خاصا به وكيف أنه كانت تحدوه رغبة جامحة في التعليم وكيف أنه لم تتح له الفرصة في ذلك وكيف أنه لابد لأبنائه وبقية الأطفال في ارتريا أن يحصلوا علي  نصيبهم من التعليم .. فتح قلبه وأخرج الكثير من المدفون لكنه لم يصل لدرجة الوُبوح بأميته في القراءة والكتابة ولم أدفعه الي ذلك الأتجاه فهو أعلي وأكبر من أن يدفع في ذلك الأتجاه .. في الختام قال يجب أن تودع رفاقك فربما لا يتثني لك لقائهم من بعد وكما قال مررت برفاقي مودعا فربما لا أراهم في الصباح حيث سوف نغادر مبكرين جدا علي حد قول صباح الخير .. وفي الصباح الباكر لم نشرب حتي الشاي انطلقنا وأنا مازلت نصف نائم أدعك وأفرك في عيوني  وأتعثر في الطريق ولحسن الحظ لم أكن في المؤخرة كما ان عددنا لم يكن بالكثير كما توقعت من حديث صباح الخير لقد كنا ستة أفراد الشهيد أدريس عمر وحرسيه ثم صباح الخير والمناضل كداني الذي به رعاف مزمن لم يتمكنوا من ايقافه في العيادة والخوف في أن لا يتفاقم الي خطورة تهدد حياته دفع ود حاج علي الي تحويله من العيادة المركزية.  تدريجيا ومع نسايم الصباح العليلة وأصوات الطيور المغردة لليوم الجديد بدأت عيوني تتفتح كتفتح الأفق البعيد ضياءا وانشراحا .. بدأت أصحي وأتصحصح وأكتسب طاقتي من هذا البهاء والجمال من حولي شفق بعيد وندا تلامسه يدايا فوق الحشائش وأشجار "التسس" والطيور والحبور والمرور في هذا الوسط .. عالم الصباح في الجبل انما هو عالم بذاته في وحدة متناقمة متناسقة ودومومة وصفاء عالم لا يعكر صفاءه شيئ فهو بعيد من أسباب العكر والتعكير لوحة يحفظها بارئها ويصونها خالقها ومدبر أمرها .. بدأ ظلام الليل في الأنقشاع رويدا رويدا وبدأت معالم المكان في الوضوح وهاهو حسن المناضل الشاب أحد أفراد حرس الشهيد ادريس يقود السير بخطاً ثابة وسريعة والمسافات بيننا ليست بالمتباعدة كما في العادة الكل يود أن نقطع مشورا كبيرا قبل أن تلسعنا الشمس بألسنتها خصوصا ومعنا كداني الذي تٌفاقم الشمس من حالته .. ظللنا نمشي بتسارع وصار واضحا من اننا في حالة نزول لقد بدأنا النزول من الجبل ومن الملاحظ الكمية الكبيرة لأغنام الماعز والتي تراها في كل أتجاه وهاهو أحد الرعاة يبدوا من البعد في الطريق وعندما وصلنا اليه بدأت عليه علامات السرور والغبطة بلقائنا وأصر علينا بالجلوس برحة من الوقت حتي يحلب لنا وتحت أصراره قبل الشهيد ادريس علي أن نجلس قليلا من الوقت تحت هذه الشجرة وذهب الراعي الشاب يحلب لنا اللبن وكانت فرصتي لأسأل الشهيد عن وجهتنا وعن المهمة التي أنا بصدضها قال والحديث لم يكن موجه لي فقط بأننا في طريقنا الي همبول ملوحا بيده الي تلك المجموعة من الجبال حيث سوف نلتقي بالمجلس الثوري وكان يعني بالعضو الممثل للمجلس الثوري قال حسن متسائلا أسوف نصعد الي الجبال يعني جبال همبول ورد الشهيد أدريس قائلا بأنه لا يتطلب منا الصعود الي الجبال حيث أنهم متواجدون في الوادي وبأنه يعلم المكان بالتحديد وهاهو الراعي الكريم يأتي باللبن الساخن في سعن صغير "هوت"  وبدأنا نشرب ونمرر في السعن الي بعضينا حتي شربناه كاملا وعندها قال الراعي دعوني أحلب لكم أكثر والجميع أبدينا رفضنا القاطع حيث كنا قد أمتلانا بحق وحقيقة ولقد عوضنا ذلك علي عدم شرب الشاي في الصباح قبل المغادرة .. شكر الشهيد الراعي علي كرمه وشهامته وتمني له الخير الوافر الكثير وواصلنا في النزول تلال وراء تلال تنزل واحدة لتبدأ في الأخري تناغم وتسلسل وبهاء الي أن وصلنا الي الوادي المغطي بأشجار السدر الظليلة والتي جلسنا عندها ليذهب الشهيد أدريس وبرفقتة حرسيه الي مكان تواجد المجلس الثوري .. أختفو لفترة ثم يعود حسن لوحده قائلا بأن المكان ليس ببعيد انه قريبٌ من هنا وتبعناه بين أشجار السدر الكثيفة ويلوح بيديه الي كوخ علي البعد قائلا هو ذاك مقر المجلس .. المكان لايصله الا عارف ومدرك حتي ولو كان بالمنطقة وقبل الولوج الي المكان أعترضنا أحد حراسه وبما أنهم كانوا يتوقعوننا مع حسن فالتحقق والتأكد من هوياتنا لم يطل أو يأخذ زمناً .. رافقنا الحرس الي المقر حتي وصلنا الي راكوبة أمام الكوخ كان يستظل ويجلس فيها بقية أفراد الحرس .. استقبلونا بحرارة ورحبوا بنا ترحيبا مابعده ترحيب لقد فرحوا فرحا شديدا تحسه متدفقا في محي وجوههم جلسنا معهم نحتسي الشاي وكان أثنائها الشهيد أدريس في داخل الكوخ مع المناضل حليب ستي عضو المجلس الثوري في اجتماع مطول .. أحد الشباب من حراس المجلس قال لي سوف أقدم لك هدية تذكرني بها دائما أينما كنت قلت بكل فخر واعتزاز .. أخرج طلقة من كفوفه ثم حرك رأس الطلقة بكل الأتجاهات حتي صارت أيلة للخروج ثم أخرج الرأس من الظرف وقام بتفريق البارود علي قطعة قماش ثم أخذ ايادا من النار وقربه من مؤخرة الظرف وعندها أحدث فرقعة خفيفة أدت الي ثقب الظرف من المؤخرة ثم أدخل خيطا من خلال الثقب وربط مؤخرة الخيط عدة مرات حتي صارت كالعقدة تمنع الخيط من الخروج ثم وضع الرأس مجددا في مكانه وأحكم الرأس في الظرف .. عملٌ جميل ورائع طلقة تتدلدل من العنق ولا تمثل أي خطورة .. قبلت الهدية وكلي أمتنان وتقدير علي منحي هذه الهدية القيمة والمعبرة وبينما نحن نتجاذب في أطراف الحديث مع الشباب من حراس المجلس خرج الينا الشهيد ادريس عمر وطلب مني بالدخول لمقابلة القائد حليب ستي وكنت بحق متشوق لتلك اللحظات التي أقابله فيها وطالما سمعت عنه وعن بطولاته التي كان الشباب يتغنون بها "حليب ستي سني فالو" .. كان الشهيد أدريس قد أعطاه نبذة عني فبمجرد أن دخلت قام من مجلسه وصافحني بحرارة وهو يناديني بأسمي وطلب مني الجلوس .. شخص تحس بأريحية في مجلسه وتحس بأنه لا حواجز ولا موانع للحديث اليه فهاهي المرة الأولي التي أقابله فيها وكأننا نعرف بعض منذ مدة وببساطة  كان  تواضعه يذيب كل الحواجز .. شخص كان بمستوي الشهرة التي حظي بها وأكثر .. ثمات قيادي من الطراز الأول هدوء وسكينة تبعث فيك الأطمئنان .. والأسترقاق في السمع بعطي أهمية لكل ماتقول دون مقاطعة ولا خروج ولا استرسال ثم حديث مهذب في المضمون .. طلب مني أن احكي له عن تجربتي خلال الأربعة أشهر التي قضيتها في دبر سالا وفعلتُ بأيجاز ثم صار يقدم لي النصائح ويعدد لي في أوجه النضال وبأن البندقية ليست الا واحدة من تلك الأوجه .. قال ان تحرير الأنسان من الجهل والمرض لا يتم بالبندقية وحدها رغم أن الكفاح المسلح يمثل أرقي وأعلي أوجه الفداء والتضحية .. كان حديثه مشبعاً بروح الحماس ودافعاً معنويا للتحصيل العلمي .. أول مقابلة لي مع عضو مجلس ثوري وفي خلاصتها ينصحني بأن أذهب وأُواصل تعليمي  حديث لم أتوقعه بالمرة لكنه كان ينم ويوحي عن بعد نظر وعن فهم بالمسؤلية .. حديث كان له ما بعده من تأثير في حياتي.

ونواصل ................