Saturday, January 31, 2015

الي دبر سالا



 كان عددنا يتجاوز العشرين وكانت وجهاتنا تلتقي ولو الي حين ثم تتفرق بنا الأتجاها لتذهب كل مجموعة الي مبتغاها والي الوجهة التي تريد الوصول اليها .. كان فينا مسؤوليين وكان فينا الجنود العاديين لكن ما كان يجمع بين الكل هو العودة الي الميدان اما بعد قضاء اجازة قصيرة مع الأهل أو العودة من مهمة .. الكل في معنويات عالية وتري ذلك في روح الدعابة والمرح روح النكته والضحك تري ذلك في أناس مقبلون وذاهبون الي الميدان الي وحداتهم أينما وجدتْ أناسٍ ليس الموت همهم ولا ألأبتعاد عن أسرهم أو ترك أطفالهم وزوجاتهم من خلفهم وأحياناً دون عائل أو راعي وتكون الزوجة هي التي تتحمل الرعاية من خلف زوجها المقاتل .. أناس لم تشغلهم هموم الدنيا عن نداء الوطن وتلبية ذلك النداء دون الألتفات الي أسبابٍ يتعللون بها .. هاهم عندما تراهم وهم في هذا الجو المرح لا تظن بأنهم هم أؤلئك الذين تركو خلفهم كل تلك المسؤليات والأسر التي في أمس الحاجة اليهم لكنهم أثروا الوطن علي أنفسهم وأسرهم الصغيرة .. كم من هؤلاء تقبع أسرهم في معسكرات اللاجئيين بسمسم والحواتة وعبودة كذلك بأطراف المدن مثل كسلا والقضارف والقربة .. عجيب حالك يا شعبي .. لا تدري من أين لهم كل تلك المعنويات العالية .. أذكر في أحدي الأمسيات وكان الجو منعشاً والقمر ساطعاً حللنا بالقرب من أحد الأودية وبعد أن جلسنا وحل السكون وقف أحد المناضلين لا أذكر أسمه وبدأ يقوم بحركات جنبازية وكل ما يؤدي حركة يطلب من الحضور ان كان هناك من يستطيع تقليده وهكذا أنقلب ذلك السكون الي المرح المعتاد .. قام أخرون بحركات مختلفة تصعب علي الجميع تقليدها وهكذا ينتقل المرح لشيئ أخر حتي يأخذنا النوم .. كان كل يوم يحمل ملامح جديدة وقصص وحكاوي جديدة .. منها, عندما كنا في وسط جبال همبول ونحن في سبيل عبورها الي سهول بركا توقفنا لأخذ قسطٍ من الراحة وأذكر كانت هناك زمزمية ماء تابعة للمناضل داوود من جماعة الساحل وكان بها كل ما تبقي لنا من الماء وكل من تمر عليه الزمزمية يشرب قسطاً أقل مؤثرا نفسه علي الأخرين الي أن مرت بالكل وهي زمزمية واحدة .. طلب مني أن أحتفظ بالزمزمية معي ونسيت أن أغلقها كانت مفتوحة وفارغة .. وضعتها فوق أمتعتي المحمولة علي ظهري وعندما أنطلقنا وبدأنا نسير وكنت في المؤخرة صرنا نسمع صفيرا حاداً ونتوقف ولا نسمع شيئ ثم نبدأ في المسير ويتجدد الصفير الحاد ولا ندري مصدره وفي أخر مرة انتقلت من المؤخرة الي الوسط وعندما بدأنا نسير وصدر الصوت كل الذين كانو خلفي علموا المصدر وصاروا يضحكون ويضحكون فالزمزمية كانت مفتوحة ومع الحركة والرياح الخفيفة تصدر الصفير وكأنها أزيزٌ وهكذا ويجدنا مصدر ضحكٍ جديد وكل مرة يسألني أحدُ من المناضلين قائلا كيف الزمزمية ... كذلك أحمدين المناضل المخضرم والذي كان يناديني ب "عاسا" وتعني السمكة لكثرة شربي للماء وكان يوصيني أن أتعود علي قليل من الماء حيث ربما لا أجد ماءاً ومع سخونة الجو وصعوبة وجود الماء في أي مكان لذا فعلي التعود علي شرب القليل من الماء والذي كان يصعب علي حتي تلك اللحظة لكن تدرجياً كنت لا أختلف من البقية في ذلك وكانت لنصائحه ووصاياه دور وأثرا كبيرا علي الوصول لتلك النتائج .. عبرنا جبال همبول الصخرية الداكنة مع المنعرجات والألتواءات والأنحناءات الكثيرة الي السهول الواسعة الشاسعة والممتدة لا يعكر صفو امتدادها الا بعض التلال المترامية هنا وهناك .. سهول جميلة لاحظنا وجود الغزلان فيها تمشي في مجموعات أراد البعض الصيد حتي نأكل اللحم لكن رفضت الأغلبية وأعتقد بأنهم لم يودوا كسر السرعة التي كنا نسير بها كما أنهم لا يودون التوقف من أجل الصيد ليس الأن .. واصلنا المسير ونحن نراها تختال تارة وتقفذ تارة أخري أنها المرة الأولي أن أري غزلانٍ تسرح وتمرح هكذا في الطبيعة ثم هؤلاء نحن نغض الطرف عن الصيد ونمر وكأنها لا تعنينا وواصلنا في المسيرحتي أتان الليل بلقرب من قرية حيث قضينا ليلتنا بها... وفي عصرية اليوم التالي ونحن لسنا ببعيدين من عيد سيدنا مصطفي وأذا بمذكر الغزال (التيتل) ويطلق عليه "قَتَأْ" بفتح القاف وفتح التاء وتسكين الألف وهو أكبر حجما وأطول قامة من الغزال وكان ليس ببعيدا عنا واليوم الجماعة لهم رأي اخر فالكل يقول علينا بصيده وهنا انبرا ابراهيم محمد موسي وقال أتركوه لي وكان معه كلاشن فأنطلق بخفة مختبئاً خلف الشجيرات الصغيرة ويقترب متخفياً ثم يختفي والتيتل تركيزه علينا متوقفاً ينظر الينا وتدريجياً كان أبراهيم قد اقترب منه كثيرا ثم ارتكزوبينما التيتل مشغول بالتركيز والنظر الينا أطلق ابراهيم النار وأرداه صريعاً ثم أنطلق داؤود مسرعاً الي التيتل الذي كان يصارع ويرفس بكل الأتجاهات أسرع دأؤود واستل سكينه ثم ذبحه قبل أن تخرج انفاسه .. تكاد الشمس من الأفول والأمر بين ماذا نفعل .. أنقضي ليلتنا هنا وليس لنا ماء أم نحمل التيتل ونذهب الي البيوت القريبة من عد سيدنا مصطفي وكما قيل بأن المسافة ليست بالبعيدة فالكل موافق علي أن نحمله ونسير به رغم ما علينا من حملٍ وأمتعة ثقيلة .. أقتطع داؤود عودا غليظاً وربط اليدين والرجلين ومرر العود بينهما وحملنا وانطلقنا في المسير .. ما أثقله مع الممرات الضيقة والصعود والنزول من التلال .. كانت أمتعتنا ثقيلة والان ذد علي ذلك التيتل الذي علينا حمله قبل أكله وكان ذلك الثمن لقد كنت أتوقع المكان قريباً لكن أتضح غير ذلك حيث سرنا قسماً كبراً من الليل حتي وصلنا الي المكان ولحسن الحظ كان الشيخ محمود صاحب الواجهة في القرية ما زال صاحيا ويعرف الكثيرين من الرفاق الذين يمرون من عنده كل مرة وصار يعرفهم بالأسماء والشهيد أدريس يمازحه ويقول له لقد أتينا لكم بعجلٍ سمين ويضحك الشيخ ويقول "امرام هلينا" أعرف ما تحملون فالشيخ أدرك ما نحمل بمجرد وصولنا الي داره .. كانت هناك شجرة كبيرة ليست ببعيدة من داره حيث قمنا بتعليق التيتل هناك وصلخه وتقطيعه .. لقد أحضر لنا شيخ محمود الماء والنار وأكلنا ما أكلنا وأعطينا الباقي  للشيخ محمود الذي كانت له علاقات جد متينة مع كثير من الرفاق وكان محبوباً كثيراً .. قضينا ليلتنا معه لننطلق في الصباح الباكر في طريقنا الي دبر سالا.     
     
وصلنا الي وادي صخري تعجه الحركة من الناس والدواب فالكل يرد هذا الوادي ليسقي بهائمه والوادي متسع رقم الصخور الضخمة التي زادته جمالا وكذلك الاشجار الضخمة الوارفة الظليلة والرعاة من كل حدب وصوب فمنهم من اتي بجماله ومنهم من اتي ببقره ومنهم اصحاب الماعز .. سالت الشهيد ادريس عمر عن المكان فقال لي سوف نقضي معظم نهارنا اليوم بشاكات (وهو اسم المكان ويعني عيون ومفردها شاكة اي عين) وعند العصرية سوف نبدا بالصعود الي دبر سالا ... ثم اضاف مشيرا الي احدي الاشجار بان نضع امتعتنا هناك وسوف نغسل ملابسنا ونستحم قبل الانطلاق في العصرية ... اشار الي ابراهيم محمد موسي بان نضع الادوية تحت تلك الشجرة الظليلة ويالها من ظليلة وممتعة بعد عناء السفر من عد سيدنا مصطفي ونحن مثقلين بالامدادات والادوية ... وضعت حملي وتمددت كالبقية من افراد المجموعة وذهبت مجموعة اخري للتحدث مع المواطنين .. وليس ببعيد بعد ذللك ولقد حضرو باقداح من اللبن الساخن ... لقد تم حلب اللبن ساعتها وتم احضاره لنا ... شربنا وشربنا حتي امتلات بطوننا فهو الغذاء الوحيد ذالك اليوم .. في العصر وبعد ان غسلنا واغتسلنا انطلقنا في رحلة الصعود الي دبر سالا وظني كان الصعود الي جبل واحد وينتهي الامر ... انطلقنا في سير ثعباني ملتوي نتخطي التلال الواحدة تلو الاخري وفارق المسافة تذداد بين فرد واخر وبدا الاعياء علي المجموعة وامر الشهيد ادريس بان ناخذ استراحة قصيرة قبل ان يداهمنا الظلام ... انطلقنا مجددا والكل قد اخذ قسطا من الراحة وقليلا من الماء ... وصرنا اكثر اصرارا علي الاسراع للوصو قبل المغيب ... كنت مع الطليعة في المقدمة وصارت القمة اكثر وضوحا لكنها مازالت بعيدة ... علينا بالاسراع لكن وكالعادة بدات المسافة تتباعد بين افراد المجموعة فالطريق الي القمة اصبح اكثر صعوبة ... وفي الطليعة كنا ثلاثة افراد يتصبب منا العرق والقمة تقترب اكثر واكثر والرياح الباردة بدات تهب علينا ... انها رياح القمة ... هاهي تلك الصخور الداكنة التي كانت تبدو صغيرة من علي البعد هاهي وبحجمها الضخم لقد بلقنا القمة التي من اتجاه بركا وجلسنا ننتظر بقية المجموعة اكتمل العدد وقبل ان نتحرك ذكرنا الشهيد ادريس بان لا تكون المسافة متباعدة حيث سوف نقترب من حراسة العيادة المركزية التي كانت عندها المعسكر الوحيد في الميدان والباقي كله كان في حراك مستمر... كانت هناك سرية لحراسة العيادة المركزية تحيط بالعيادة من كل الجوانب في شكل دائري وليس هناك مخرج او مدخل دون المرور بحرس العيادة .... تحركنا والشهيد ادريس كان يدري الطريق جيدا ... منذ ان انطلقنا في السير وتركنا شاكات لم نقابل اي مواطن او نري اي تجمع سكاني فلا يسكن دبر سالا الا الجبهة والحيوانات البرية وكما علمت مؤخرا فانه بعد ان شهد صراعات ونزاعات بين قبائل البلين والبني عامر والماريا عليه احتكمو ان يجعلو الجبل منطقة رعي لكل الثلاثة قبائل وليس لقبيلة حق دون الاخري فيه وهكذا حتي اتت الجبهة وصارت الطرف الرابع في دبر سالا .... واصلنا السير في طرقات ضيقة متعرجة وفجاة صوت عالي قريب يامرنا بالتوقف ويسالنا من نحن ولا نري صاحب الصوت .. انها مجموعة الحراسة ... توقفنا وتحدث اليهم الشهيد ادريس ... وبعد ان عرفوا من نحن وتاكدوا من ذلك تركونا بالتقدم ولم نرهم البته ...  تقدمنا ومجموعة اخري قابلتنا واخذوا مننا الامتعة الثقيلة وقادونا الي داخل المعسكر وعندما وصلنا قوبلنا بالترحاب الحار كيف لا واغلب افراد مجموعتنا معروفيين لديهم والشهيد ادريس كان نائب الجهاز الصحي والمسؤول الفعلي للجهاز اثناء تواجد المناضل حسن صالح (حسنيت) خارج الميدان.
ونواصل.....