Saturday, January 31, 2026

2025 … القرن الإفريقي يحترق


أعوام كثيرة مضت والتجهيز للإحتراق يذداد ويتصاعد في الوتيرة .. أعوام مضت وحروب المنطقة الداخلية في اشتداد وتسعير وكذلك الاستقطاب أو إعادة الاستقطاب .. التبعثر والتمزق والتناحر صار من سمات الساعة في منطقة القرن الإفريقي بشقيه الشرقي والغربي هكذا أراد لها المخططون أن تظل في إشتعال مبرمج يزيدون في وتيرته متى ما شاءوا ويخفضون متى ما شاءوا كذلك يتحكمون في أدوار اللّعيبة المحليين يضيفون من يشاءون ويبعدون من يشاءون كما يتحكمون في قواعد اللّعبة ويقيمون التحالفات الإقليمية والدولية متى ما يرون ذلك مناسبا وضروريا لهم .. القرن الإفريقي صار ليس فقط براكين خامدة منذ آلاف السنين بل براكين مشتعلة تقذف في حممها عاليا كما حدث في إقليم العفر في إثيوبيا حديثا أربكت نتائجه كل المنطقة شرقا وغربا والحال السياسي لا يختلف عن البراكين الطبيعية فصارت التحالفات تتغير في اليمن وفي إثيوبيا وكذلك في السودان والحرب الضروس صارت سمة العام المنصرم .. وغوصاً في أعماق التحورات والتبدلات في كل بلد من بلدان القرن الإفريقي بشقيه الشرقي والغربي يعطينا صورة أوضح لما آل اليه الحال .. 

الصومال وهي التي بدأت بها القوة الخارجية في التفتيت والتجزئة قبل أكثر من ثلاثة عقود لأنها كانت أعصى من البقية حيث وحدة اللغة، الجغرافية، الدين، الثقافة والعرق فبالرغم من أن الاستعمار أبقى جزءا منها في كينيا وإثيوبيا وجيبوتي إلا إن اللذي يجمعهم أكثر من الذي يفرقهم وأراد الاستعمار بأن لا تظل هذه المنطقة المتجانسة كتلة سياسية واحدة لذا قبل رحيله قسمها وجزءها في عدد من الكيانات والبلدان الأخرى وحتى الذي تبقى بإسم جمهورية الصومال الفدرالية لا يريدون له الاستمرار هكذا بل يظعمون بأن هذه الدولة الكبرى من حيث المساحة والموقع البحري الهام يجب تقسيمها واحتوائها في كيانات أصغر وهكذا عملوا على خلق روح الإنتماء الي الأقاليم بدلا من الوطن فظهرت مثل أرض الصومال وبنتولاند وجوبالاند وظلت هذه الدول تعمل على تقوية الإحساس بالانتماء للإقليم والعمل على إضعاف الدولة المركزية تدريجيا من خلال خلق عدم الاستقرار وفرض الوصايات الأممية على الدولة لتكبيلها وربطها بالمواثيق المحددة لها حيث لا تنموا وتقوي وتنطلق بأجندتها الوطنية وبعد أن عملوا لعقود في هذه الوصفة في الخفاء الآن بدأت مرحلة الظهور العلن لهذه الدول الاستعمارية حتي تجني ثمار عملها الطويل بدأ الاعتراف بدولة أرض الصومال حتى تقام القواعد العسكرية ويتم فرض الوصاية والهيمنة على المنطقة .. بعض هذه الدول هي الصانعة والمستفيدة من هذه الأوضاع بشكل مباشر وبعضها مستفيدة بشكل غير مباشر مثل بعض الدول الإقليمية التي تشكل الأدوات المحلية اللازمة لتحقيق أهداف وأجندة الدول الكبرى ..

ان كان ذلك الوضع  في الصومال فالوضع في السودان لا يختلف كثيرا في تخطيط ونوايا الدول الطامعة لبعثرته وتشتيت اجزائه حتى يسهل عليها سرقة ونهب موارده الطبيعية فقد عملوا منذ فجر استقلاله السياسي في زرع الإلقام والقنابل الزمنية الموقوتة لتنفجر كل واحدة منها في زمنها المناسب والمرسوم لها مسبقاً .. رأينا ذلك في قضية جنوب السودان وانفصاله والآن نرى الحروب الطاحنة التي تُؤججها القوة الدولية والإقليمية لتفتيت ما تبقى منه حتى يسهل عليها ابتلاع أجزائه وهضمها .. لقد لعبوا على النعرة الدينية والجهوية حتى اقتطعوا الجنوب والآن يلعبون على النعرة العرقية والإقليمية ليقتطعوا ما تبقى من أجزائه .. السيناريو هو نفسه في كل المواقع .. خلق الفوضى الخلاقة وتفجير الأزمات واثارة كل الفتن والنعرات وبعض أن تشتعل الأزمات ويتطاحن الناس يأتون مهرولين بإسم حقوق الإنسان وبقية الحقوق المصاحبة لها وتبدأ الضغوطات الدولية في فرض خارطة طريق معدة مسبقا .. السودان له موقع جيوسياسي استراتيجي ومؤثر في عدت محاور على كل قوة عظمى تسعى للسيطرة عليه فهو ليس فقط سلة الثروات الطبيعية لكن كذلك توسطه العالم العربي والقارة الأفريقية وتواجده على طريق الملاحة الدولي في البحر الأحمر وهو الشريان الأساسي الرابط بين القارتين الآسيوية والأوروبية والذي من خلاله يتم نقل النفط والغاز إلى أروبا كما للسودان مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة دون الحاجة لإعادة إصلاحها … السودان وقع فريسة سهلة للاستعمار الحديث لشدة الهجمة منذ وقت مبكر وغفلة أبنائه بخطورة ذلك …  

أما إثيوبيا فالحال يختلف عن سابقتيها الصومال والسودان فبالرغم من تواجد الصراعات والانقسامات والتطاحن والحروب الداخلية إلا إن المتسبب فيها ليست القوة الدولية ولا بسبب أطماع القوة الدولية إنما العكس تماماً فالقوة الدولية تدعم دائماً الحكومة المركزية في أديس أبابا على صراعاتها مع الأطراف الداخلية الأخرى وهذه الصراعات قديمة قدم تشكل الدولة الإثيوبية الحديثة في القرن التاسع عشر في عهد الإمبراطور منيلك الثاني الذي انتزع أرضي شاسعة تابعة لقوميات وبلدان أخرى حيث ضم عنوة أراضى لسلطنات الأرومو والصومال والعفر والقُمز السودانية لإنشاء دولته دولة الأمحرا التي حكمت وفرضت لغتها وديانتها وكل إرثها الثقافي على هذه الأراضي المقتطعة عنوةً وقسراً لدولة الأمحرا الحديثة وجعلها وكأنها إمتداد لسلطنة الامحرا .. ولهذا الظلم التاريخي انتفضت هذه القوميات وهي ما زالت في صراع دائم مع النظام الحاكم في أديس أبابا حتى هذه اللحظة والقوة الدولية هي التي أخذت على عاتقها حماية هذا النظام والمحافظة علية وعلى حدوده دون الإهتمام بحقوق الشعوب الأخرى التي هيمن عليها منيلك الثاني بمساعدة القوى الاستعمارية حينها … إثيوبيا سوف تظل في صراع دائم حتى تجد حلولاً لمشكلات هذه الشعوب والإثنيات المضطهدة بداخلها … 

أما اليمن فمازال جُرحه ينزف ولم يندم بعد والتصدعات مازالت هي هي بل إزدادت تعقدا حيث الصراعات والحروب الإقليمية صارت تدار في أراضيه تحت غطاء دولي وليس لليمن فيها ناقة أو بعير … الإنسان اليمني البسيط صار مغلوب على أمره والكل يتحدث بإسمه والكل كأنه ساعٍ لمصلحته لكن في الحقيقة الكل يسعى للتمكن من أرضه والاستفادة من موقعه الاستراتيجي على مدخل البحر الأحمر عند مضيق باب المندب … اليمن والصومال صاروا ضحايا موقعهم الاستراتيجي … فالموقع الاستراتيجي دون قوةٍ تحميه يكون عبأ ثقيلا وطامةً على أهل البلد والحل الأمثل في مثل هذه الحالات هو إقامة التحالفات البينية حتى تضمن للدولة سيادتها وسيطرتها على مواردها هذا ما قامت به إرتريا عندما رأت أبي أحمد يتخبط يمينا ويسارا بحثاً عن منفذ بحري ويتوعد بإستعادة ميناء عصب ربطت إرتريا تحالفاتها مع مصر والسعودية فصارت جزء من محور يضم كلٍ من السعودية والسودان ومصر وتركيا وربما قطر . أما جيبوتي فنأت بنفسها عن السياسة واللعب بالنار وهي دولة صغيرة ذات موارد محدودة لا تستطيع الدخول في صراعات وحروب لذا استغلت بوعي وذكاء موقعها الاستراتيجي وفتحت أراضيها لكل من يود إستئجار قواعد عسكرية أو إستخدام موانئها فصارت موقعا للتوازنات الدولية فالكل له قاعدة عسكرية هناك كما تستخدم إثيوبيا التي ليس لها منافذ بحرية موانئ جيبوتي بشكل كلي وأساسي .. أضعف دولة فى المنطقة صارت أكثر المستفيدين من موقعها الجغرافي الإستراتيجي … لا حليف ولا تحالفات فالكل مستأجر وعلى المستأجر إحترام بقية المستأجرين وإحترام صاحب الاجار  هكذا لا تحتاج جيبوتي جيوش جرارة إنما مستأجرين أقوياء مثل الصين وأمريكا حيث التوازنات والتعايش هو سمة المكان ..

القرن الإفريقي سوف يظل يشتعل وأطرافه تظل تحترق مادام أطماع وهواجس الدول الكبرى والدول المسيطرة في المنطقة منصبة عليه في تأجيج صراعاته المحلية وجعله لقمة سائغة في متناولها …